ثمّ بكى وقال :
وعزّتك وجلالك ! ما أردت بمعصيتي مخالفتك . وما عصيتك [ إذ عصيتك ] ( 1 ) وأنا بك شاكّ ، ولا بنكالك جاهل ، ولا لعقوبتك متعرّض . ولكن سوّلت لي نفسي ، وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليّ . فالآن من عذابك من يستنقذني ! ؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي ! ؟
فواسوأتاه غدا من الوقوف بين يديك ، إذا قيل للمخفّين : جوزوا ! وللمثقلين :
حطَّوا ! أمع المخفّين أجوز ! أم مع المثقلين أحطَّ ؟ ويلي ! كلَّما طال عمري ، كثرت خطاياي ، ولم أتب . أما آن لي أن أستحي من ربّي ! ؟
ثمّ بكى وأنشأ يقول :
أتحرقني بالنّار يا غاية المنى * فأين رجائي ، ثمّ أين محبّتي
أتيت بأعمال قباح رديّة * وما في الورى خلق جنى كجنايتي
ثمّ بكى وقال :
سبحانك ! تعصى كأنّك لا ترى ! وتحلم كأنّك لم تعص ! تتودّد إلى خلقك بحسن الصّنيع ، كأنّ لك ( 2 ) الحاجة إليهم . وأنت - يا سيّدي ! - الغنيّ عنهم .
ثمّ خرّ إلى الأرض ساجدا .
قال : فدنوت منه ، وشلت رأسه ، فوضعته على ركبتي . وبكيت حتّى جرت دموعي على خدّه . فاستوى جالسا وقال : من الَّذي أشغلني عن ذكر ربّي ؟ فقلت له : أنا طاوس ، يا ابن رسول اللَّه . ما هذا الجزع والفزع ! ؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ، ونحن عاصون جافون . أبوك الحسين بن عليّ ! وأمّك فاطمة الزّهراء ! وجدّك رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - ! قال : فالتفت إليّ وقال : هيهات ! هيهات ! يا طاوس . دع عنّي حديث أبي وأمّي وجدّي ! خلق اللَّه الجنّة لمن أطاعه ، وأحسن ، ولو كان عبدا حبشيّا . وخلق ( 3 ) النّار لمن عصاه ولو كان ولدا ( 4 ) قرشيّا . أما سمعت قول اللَّه - تعالى - : « فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ » ! ؟ واللَّه [ لا ينفعك غدا إلَّا تقدمة تقدّمها من عمل
هامش
1 - ليس في ن .
2 - المصدر : بك .
3 - ن : خلق اللَّه .
4 - ن : سيّدا .