كقوله :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
( البينة / 8 ) وإذا عدي بالباء دخل على المعنى كقوله تعالى :
« أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ »
.
ولما كان الرضا المنسوب اليه تعالى صفة فعل له بمعنى الإثابة والجزاء ، والجزاء إنما يكون بإزاء العمل دون الذات ففيما نسب من رضاه تعالى إلى الذات وعدّي بعن كما في الآية
« لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ »
نوع عناية استدعى عد الرضا وهو متعلق بالعمل متعلقا بالذات وهو أخذ بيعتهم التي هي متعلقة الرضا ظرفا للرضي فلم يسع إلا أن يكون الرضا متعلقا بهم أنفسهم .
فقوله :
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
إخبار عن إثابته تعالى لهم بإزاء بيعتهم له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تحت الشجرة .
وقد كانت البيعة يوم الحديبية تحت شجرة سمرة بها بايعه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من معه من المؤمنين وقد ظهر به أن الظرف في قوله :
« إِذْ يُبايِعُونَكَ »
متعلق بقوله :
« لَقَدْ رَضِيَ »
واللام للقسم .
قوله تعالى :
فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
تفريع على قوله :
« لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ »
الخ ؛ والمراد بما في قلوبهم حسن النية وصدقها في مبايعتهم فإن العمل إنما يكون مرضيا عند اللّه لا بصورته وهيئته بل بصدق النية وإخلاصها .
والمراد القريب فتح خيبر على ما يفيده السياق وكذا المراد بمغانم كثيرة يأخذونها ، غنائم خيبر .
وقوله :
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
أي غالبا فيما أراد متقنا لفعلة غير مجازف فيه .
قوله تعالى :
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
الخ ؛ المراد بهذه المغانم الكثيرة المغانم التي سيأخذها المؤمنون بعد الرجوع من الحديبية أعمّ من مغانم خيبر وغيرها فتكون الإشارة بقوله :
« فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ »
إلى المغانم المذكورة في الآية السابقة