أنهم إذا أرادوا إنجاز البيع أعطى البائع يده للمشتري فكأنهم كانوا يمثلون بذلك نقل الملك التصرفات التي يتحقق معظمها باليد إلى المشتري بالتصفيق ، وبذلك سمي التصفيق عند بذل الطاعة بيعة ومبايعة ، وحقيقة معناه إعطاء المبايع يده للسلطان مثلا ليعمل به ما يشاء .
فقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
تنزيل بيعته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منزلة بيعته تعالى بدعوى أنها هي فما يواجهونه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم به من بذل الطاعة لا يواجهون به إلا اللّه سبحانه لأن طاعته طاعة اللّه ثم قرره زيادة تقرير وتأكيد بقوله :
« يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ »
حيث جعل يده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يد اللّه كما جعل رميه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رمي نفسه في قوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
( الأنفال / 17 ) .
وفي نسبة ما له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الشأن إلى نفسه تعالى آيات كثيرة كقوله تعالى :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
( النساء / 80 ) ، وقوله :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
( الأنعام / 33 ) ، وقوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
( آل عمران / 128 ) .
وقوله :
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
النكث نقض العهد والبيعة ، والجملة تفريع على قوله :
« إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ »
والمعنى : فإذا كان بيعتك بيعة اللّه فالناكث الناقض لها ناقض لبيعة اللّه ولا يتضرر بذلك إلا نفسه كما لا ينتفع بالإيفاء إلا نفسه لأن اللّه غني عن العالمين .
وقوله :
وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
وعد جميل على حفظ العهد والإيفاء به .
والآية لا تخلو من إيماء إلى أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان عند البيعة يضع يده على أيديهم فكانت يده على أيديهم لا بالعكس .