وقوله :
قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ
الإيزاع الإلهام ، وهذا الإلهام ليس بإلهام علم يعلم به الإنسان ما جهلته نفسه بحسب الطبع كما في قوله :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( الشمس / 8 ) ، بل هو إلهام عملي بمعنى البعث والدعوة الباطنية إلى فعل الخير وشكر النعمة وبالجملة العمل الصالح .
وقد أطلق النعمة التي سأل إلهام الشكر عليها فتعمّ النعم الظاهرية كالحياة والرزق والشعور والإرادة ، والباطنية كالإيمان باللّه والإسلام والخشوع له والتوكل عليه والتفويض اليه ففي قوله :
« رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ »
الخ ؛ سؤال أن يلهمه الثناء عليه بإظهار نعمته قولا وفعلا : أما قولا فظاهر ، وأما فعلا فباستعمال هذه النعم استعمالا يظهر به أنها للّه سبحانه أنعم بها عليه وليست له من قبل نفسه ولازمه ظهور العبودية والمملوكية من هذا الإنسان في قوله وفعله جميعا .
وتفسير النعمة بقوله :
« الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ »
يفيد شكره من قبل نفسه على ما اختص به من النعمة ومن قبل والديه فيما أنعم به عليهما فهو لسان ذاكر لهما بعدهما .
وقوله :
وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ
عطف على قوله :
« أَنْ أَشْكُرَ »
الخ ؛ سؤال متمم لسؤال الشكر على النعم فإن الشكر يحلي ظاهر الأعمال ، والصلاحية التي يرتضيها اللّه تعالى تحلّى باطنها وتخلّصها له تعالى .
وقوله :
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي
الإصلاح في الذرية إيجاد الصلاح فيهم وهو من اللّه سبحانه توفيقهم للعمل الصالح وينجرّ إلى إصلاح نفوسهم ، وتقييد الإصلاح بقوله :
« لِي »
للدلالة على أن يكون إصلاحهم بنحو ينتفع هو به أي أن يكون ذريته له في برّه وإحسانه كما كان هو لوالديه .
ومحصّل الدعاء سؤال أن يلهمه اللّه شكر نعمته وصالح العمل وأن يكون بارّا محسنا بوالديه