وعلى هذا فتقدير الكلام : ووصّينا الإنسان بوالديه أن يحسن اليهما إحسانا .
وفي إعراب
« إِحْساناً »
أقوال أخر كقول بعضهم : إنه مفعول مطلق على تضمين
« وَصَّيْنَا »
معنى أحسنّا ، والتقدير : وصينا الإنسان محسنين اليهما إحسانا ، وقول بعضهم : إنه صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف أي إيصاء ذا إحسان ، وقول بعضهم : هو مفعول له ، والتقدير : وصيناه بهما لإحساننا اليهما ، إلى غير ذلك مما قيل .
وكيف كان فبرّ الوالدين والإحسان اليهما من الأحكام العامة المشرعة في جميع الشرائع كما تقدم في تفسير قوله تعالى :
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
( الأنعام / 151 ) ، ولذلك قال :
« وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ »
فعمّمه لكل إنسان .
ثم عقّبه سبحانه بالإشارة إلى ما قاسته أمه في حمله ووضعه وفصاله إشعارا بملاك الحكم وتهييجا لعواطفه وإثارة لغريزة رحمته ورأفته فقال :
« حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً »
أي حملته أمه حملا ذاكره أي مشقة وذلك لما في حمله من الثقل ، ووضعته وضعا ذاكره وذلك ما عنده من ألم الطلق .
وأما قوله :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
فقد اخذ فيه أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر ، والحولان الباقيان إلى تمام ثلاثين شهرا مدة الرضاع ، قال تعالى :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
( البقرة / 233 ) ، وقال :
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
( لقمان / 14 ) .
والفصال التفريق بين الصبي وبين الرضاع ، وجعل العامين ظرفا للفصال بعناية أنه في آخر الرضاع ولا يتحقق إلا بانقضاء عامين .
وقوله :
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
بلوغ الأشد بلوغ زمان من العمر تشتد فيه قوى الإنسان ، وقد مرّ نقل اختلافهم في معنى بلوغ الأشد في تفسير قوله :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
( يوسف / 22 ) ، وبلوغ الأربعين ملازم عادة لكمال العقل .