حقّت عليهم كلمة العذاب كما هو ظاهر الآيات السابقة ، فأمر اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يأمرهم بالعفو والصفح عنهم وعدم التعرض لحالهم فإن وبال أعمالهم سيلحق بهم وجزاء ما كسبوه سينالهم .
وعلى هذا فالمراد بالمغفرة في قوله :
« قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا »
الصفح والإعراض عنهم بترك مخاصمتهم ومجادلتهم ، والمراد بالذين لا يرجون أيام اللّه هم الذين ذكروا في الآيات السابقة فإنهم لا يتوقعون للّه أياما لا حكم فيها ولا ملك إلا له تعالى كيوم الموت والبرزخ ويوم القيامة ويوم عذاب الاستئصال .
وقوله :
لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
تعليل للأمر بالمغفرة أو للأمر بالأمر بالمغفرة ومحصله ليصفحوا عنهم ولا يتعرضوا لهم ، فلا حاجة إلى ذلك لأن اللّه سيجزيهم بما كانوا يكسبون فتكون الآية نظيرة قوله :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً
( المزمل / 12 ) ، وقوله :
ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
( الأنعام / 91 ) ، وقوله :
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
( المعارج / 42 ) ، وقوله :
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
( الزخرف / 89 ) .
ومعنى الآية : مر الذين آمنوا أن يعفوا ويصفحوا عن أولئك المستكبرين المستهزئين بآيات اللّه الذين لا يتوقعون أيام اللّه ليجزيهم اللّه بما كانوا يكسبون ويوم الجزاء يوم من أيامه أي ليصفحوا عن هؤلاء المنكرين لأيام اللّه حتى يجزيهم بأعمالهم في يوم من أيامه .
وفي قوله :
« لِيَجْزِيَ قَوْماً »
وضع الظاهر موضع الضمير ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال :
ليجزيهم ، والنكتة فيه مع كون
« قَوْماً »
نكرة غير موصوفة تحقير أمرهم وعدم العناية بشأنهم كأنهم قوم منكرون لا يعرف شخصهم ولا يهتم بشيء من أمرهم .
قوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
في موضع التعليل لقوله :
« لِيَجْزِيَ قَوْماً »
الخ ؛ ولذا لم يعطف وليس من