المذكوران بعده من تكليمه تعالى للبشر سواء كان إطلاق التكليم عليها إطلاقا حقيقيا أو مجازيا فكلّ واحد من الوحي وما كان من وراء حجاب وما كان بإرسال رسول نوع من تكليمه للبشر .
فقوله :
وَحْياً
- والوحي الإشارة السريعة على ما ذكره الراغب - مفعول مطلق نوعي وكذا المعطوفان عليه في معنى المصدر النوعي ، والمعنى : ما كان لبشر أن يكلمه اللّه نوعا من أنواع التكليم إلا هذه الأنواع الثلاثة أن يوحى وحيا أو يكون من وراء حجاب أو أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء .
ثم إن ظاهر الترديد في الآية بأو هو التقسيم على مغايرة بين الأقسام وقد قيّد القسمان الأخيران بقيد كالحجاب ، والرسول الذي يوحي إلى النبي ولم يقيّد القسم الأول بشيء فظاهر المقابلة يفيد أن المراد به التكليم الخفي من دون أن يتوسط واسطة بينه تعالى وبين النبي أصلا ، وأما القسمان الآخران ففيهما قيد زائد وهو الحجاب أو الرسول الموحي وكل منهما واسطة غير أن الفارق أن الواسطة الذي هو الرسول يوحي إلى النبي نفسه والحجاب واسطة ليس بموح وإنما الوحي من ورائه .
فتحصّل أن القسم الثالث
« أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ »
وحي بتوسّط الرسول الذي هو ملك الوحي فيوحي ذلك الملك بإذن اللّه ما يشاء اللّه سبحانه قال تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ
( الشعراء / 194 ) ، وقال :
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
( البقرة / 97 ) ، والموحي مع ذلك هو اللّه سبحانه كما قال :
بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ
( يوسف / 3 ) .
وأن القسم الثاني
« أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ »
وحي مع واسطة هو الحجاب غير أن الواسطة لا يوحي كما في القسم الثالث وإنما يبتدئ الوحي مما وراءه لمكان من ، وليس وراء بمعنى خلف وإنما هو الخارج عن الشيء المحيط به ، قال تعالى :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
( البروج /