ويوحى اليه من دون توسط واسطة وهو القسم الأول .
والمراد بإيحاء الروح - على ما قيل - إيحاء القرآن وأيّد بقوله :
« وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً »
الخ ، ومن هنا قيل : إن المراد بالروح القرآن .
لكن يبقى عليه أولا : أنه لا ريب أن الكلام مسوق لبيان أن ما عندك من المعارف والشرائع التي تتلبس بها وتدعو الناس إليها ليس مما أدركته بنفسك وأبديته بعلمك بل أمر من عندنا منزّل إليك بوحينا ، وعلى هذا فلو كان المراد بالروح الموحى القرآن كان من الواجب الاقتصار على الكتاب في قوله :
« ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ »
لأن المراد بالكتاب القرآن فيكون الإيمان زائدا مستغنى عنه .
وثانيا : أن القرآن وإن أمكن أن يسمى روحا باعتبار إحيائه القلوب بهداه كما قال تعالى :
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
( الأنفال / 24 ) ، وقال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
( الأنعام / 122 ) ، لكن لا وجه لتقيده حينئذ بقوله :
« مِنْ أَمْرِنا »
والظاهر من كلامه تعالى أن الروح من أمره خلق من العالم العلوي يصاحب الملائكة في نزولهم ، قال تعالى :
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ
( القدر / 4 ) ، وقال :
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا
( النبأ / 38 ) ، وقال :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
( الإسراء / 85 ) ، وقال :
وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
( البقرة / 87 ) ، وقد سمى جبريل الروح الأمين وروح القدس حيث قال :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
( الشعراء / 193 ) ، وقال :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ
( النحل / 102 ) .
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن مقتضى المقام وإن كان هو الاقتصار على ذكر الكتاب فقط لكن لما كان إيمانه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بتفاصيل ما في الكتاب من المعارف والشرائع من لوازم نزول الكتاب غير المنفكة عنه وآثاره الحسنة صح أن يذكر مع الكتاب فالمعنى : وكذلك أوحينا إليك كتابا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ما تجده في نفسك من أثره الحسن الجميل وهو