تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
حق دائما غير أنه خاص بطائفة خاصة في زمن خاص يجب عليهم أن يؤمنوا به ويعملوا به ويجب على غيرهم أن يؤمنوا به فحسب من غير عمل وهذا معنى إقامته وعدم التفرق فيه . فتبين أن الأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه في قوله :
« أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ »
مطلق شامل لجميع الناس في جميع الأزمان . وقوله :
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
المراد بقوله :
« ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ »
دين التوحيد الذي كان يدعو اليه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا أصل التوحيد فحسب على ما تشهد به الآية التالية ، والمراد بكبره على المشركين تحرجهم من قبوله . وقوله :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
الاجتباء هو الجمع والاجتلاب ، ومقتضى اتساق الضمائر أن يكون ضمير
« إِلَيْهِ »
الثاني والثالث راجعا إلى ما يرجع اليه الأول والمعنى اللّه يجمع ويجتلب إلى دين التوحيد - وهو ما تدعوهم اليه - من يشاء من عباده ويهدي اليه من يرجع اليه فيكون مجموع قوله :
« كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ »
في معنى قوله :
هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
( الحج / 78 ) . قوله تعالى :
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
إلى آخر الآية ؛ ضمير
« تَفَرَّقُوا »
للناس المفهوم من السياق ، والبغي الظلم أو الحسد ، وتقييده بقوله :
« بَيْنَهُمْ »
للدلالة على تداوله ، والمعنى وما تفرق الناس الذين شرعت لهم الشريعة باختلافهم وتركهم الاتفاق إلا حال كون تفرقهم آخذا - أو ناشئا - من بعد ما جاءهم العلم بما هو الحق ظلما أو حسدا تداولوه بينهم . وهذا هو الاختلاف في الدين المؤدي إلى الانشعابات والتحزبات الذي ينسبه اللّه سبحانه في مواضع من كلامه إلى البغي ، وأما الاختلاف المؤدي إلى نزول الشريعة وهو الاختلاف في شؤون الحياة والتفرق في أمور المعاش فهو أمر عائد إلى اختلاف طبائع الناس في مقاصدهم
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 550 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي