فقوله :
« شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً »
أي بين وأوضح لكم من الدين وهو سنة الحياة ما قدم وعهد إلى نوح مهتما به ، واللائح من السياق أن الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمته ، وأن المراد مما وصى به نوحا شريعة نوح عليه السّلام .
وقوله :
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
ظاهر المقابلة بينه وبين نوح عليه السّلام أن المراد بما أوحى اليه ما اختصت به شريعته من المعارف والأحكام ، وإنما عبر عن ذلك بالإيحاء دون التوصية لأن التوصية كما تقدم إنما تتعلق من الأمور بما يهتم به ويعتني بشأنه خاصة وهو أهم العقائد والأعمال ، وشريعته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جامعة لكل ما جل ودق محتوية على الأهم وغيره بخلاف شرائع غيره فقد كانت محدودة بما هو الأهم المناسب لحال أممهم والموافق لمبلغ استعدادهم .
والالتفات في قوله :
« وَالَّذِي أَوْحَيْنا »
من الغيبة إلى التكلم مع الغير للدلالة على العظمة فإن العظماء يتكلمون عنهم وعن خدمهم وأتباعهم .
وقوله :
وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى
عطف على قوله :
« ما وَصَّى بِهِ »
والمراد به ما شرع لكل واحد منهم عليه السّلام .
والترتيب الذي بينهم عليه السّلام في الذكر على وفق ترتيب زمنهم فنوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليه السّلام ، وإنما قدم ذكر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للتشريف والتفضيل كما في قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
( الأحزاب / 7 ) وإنما قدم نوحا وبدأ به للدلالة على قدم هذه الشريعة وطول عهدها .
ويستفاد من الآية أمور :
أحدها : أن السياق بما أنه يفيد الامتنان وخاصة بالنظر إلى ذيل الآية والآية التالية يعطي أن الشريعة المحمدية جامعة للشرائع الماضية ولا ينافيه قوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
( المائدة / 48 ) لأن كون الشريعة شريعة خاصة لا ينافي جامعيتها .
الثاني : أن الشرائع الإلهية المنتسبة إلى الوحي إنما هي شريعة نوح وإبراهيم وموسى