تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
قوله تعالى :
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
اعتراض وعتاب منهم لجلودهم في شهادتها عليهم ، وقيل : الاستفهام للتعجب فهو سؤال عن السبب لرفع التعجب وإنما خصوها بالسؤال دون سمعهم وأبصارهم مع اشتراكها في الشهادة لأن الجلود شهدت على ما كانت هي بنفسها أسبابا وآلات مباشرة له بخلاف السمع والأبصار فإنها كسائر الشهداء تشهد بما ارتكبه غيرها . وقيل : تخصيص الجلود بالذكر تقريع لهم وزيادة تشنيع وفضاحة وخاصة لو كان المراد بالجلود الفروج وقيل غير ذلك . قوله تعالى :
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
الخ ؛ إرجاع ضمير أولى العقل إلى الجوارح لمكان نسبة الشهادة والنطق إليها وذلك من شؤون اولي العقل . والمتيقن من معنى النطق إذا استعمل على الحقيقة من غير تجوز هو إظهار ما في الضمير من طريق التكلم فيتوقف على علم وكشفه لغيره ، قال الراغب : ولا يكاد يستعمل النطق في غير الإنسان إلّا تبعا وبنوع من التشبيه وظاهر سياق الآيات وما فيها من ألفاظ القول والتكلم والشهادة والنطق أن المراد بالنطق ما هو حقيقة معناه . فشهادة الأعضاء على المجرمين كانت نطقا وتكلما حقيقة عن علم تحملته سابقا بدليل قولها :
« أَنْطَقَنَا اللَّهُ »
. ثم إن قولها :
« أَنْطَقَنَا اللَّهُ »
جوابا عن قول المجرمين
« لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا »
؟ إراءة منها للسبب الذي أوجب نطقها وكشف عن العلم المدخر عندها المكنون في ضميرها فهي ملجأة إلى التكلم والنطق ، ولا يضر ذلك نفوذ شهادتها وتمام الحجة بذلك فإنها إنما ألجئت إلى الكشف عما في ضميرها لا على الستر عليه والإخبار بخلافه كذبا وزورا حتى ينافي جواز الشهادة وتمام الحجة . وقوله :
الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
توصيف للّه سبحانه وإشارة إلى أن النطق ليس مختصا بالأعضاء حتى تختص هي بالسؤال بل هو عام شامل لكل شيء والسبب الموجب له
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 505 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي