متميزا بعضها من بعض ، ولذا أفرد السماء فقال :
« اسْتَوى إِلَى السَّماءِ »
.
وقوله :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
تفريع على استوائه إلى السماء والمورد مورد التكوين بلا شك فقوله لها وللأرض :
« ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً »
كلمة إيجاد وأمر تكويني كقوله لشيء أراد وجوده : كن ، قال تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
( يس / 83 ) .
ومجموع قوله لهما :
« ائْتِيا »
الخ ؛ وقولهما له :
« أَتَيْنا »
الخ ؛ تمثيل لصفة الإيجاد والتكوين على الفهم الساذج العرفي وحقيقة تحليلية بناء على ما يستفاد من كلامه تعالى من سراية العلم في الموجودات وكون تكليم كل شيء بحسب ما يناسب حاله ، وقد أوردنا بعض الكلام فيه فيما تقدم من المباحث ، وسيجيء شطر من الكلام فيه في تفسير قوله :
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
( الآية 21 من السورة ) إن شاء اللّه .
وفي قوله :
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
إيجاب الإتيان عليهما وتخييرهما بين أن تفعلا ذلك بطوع أو كره ، ولعل المراد بالطوع والكره - وهما بوجه قبول الفعل ونوع ملاءمة وعدمه - هو الاستعداد السابق للكون وعدمه فيكون قوله :
« ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً »
كناية عن وجوب إتيانهما بلا مناص وأنه أمر لا يتخلف البتة أرادنا أو كرهتا سألتاه أو لم تسألا فأجابتا أنهما يمتثلان الأمر عن استعداد سابق وقبول ذاتي وسؤال فطري إذ قالتا : أتينا طائعين .
وقوله :
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
جواب السماء والأرض لخطابه تعالى باختيار الطوع ، والتعبير باللفظ الخاص بأولي العقل - طائعين - لمكان المخاطبة والجواب وهما من خواص أولي العقل ، والتعبير بلفظ الجمع دون أن تقولا : أتينا طائعتين لعله تواضع منهما بعدّ أنفسهما غير متميزة من سائر مخلوقاته تعالى المطيعة لأمره فأجابتا عن لسان الجميع ، نظير ما قيل في قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( الحمد / 5 ) .
ثم إن تشريك الأرض مع السماء في خطاب
« ائْتِيا »
الخ ؛ مع ذكر خلقها وتدبير أمرها قبلا لا