الفزع الأكبر والدهشة التي لا تقوم لها الجبال ولذا يتبادرون أولا إلى دعوة الويل والهلاك كما كان ذلك دأبهم في الدنيا عند الوقوع في المخاطر ثم سألوا عمن بعثهم من مرقدهم لأن الذي أحاط بهم من الدهشة أذهلهم من كل شيء .
ثم ذكروا ما كانت الرسل عليهم السلام يذكرونهم به من الوعد الحق بالبعث والجزاء فشهدوا بحقية الوعد واستعصموا بالرحمة فقالوا :
« هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ »
على ما هو دأبهم في الدنيا حيث يكيدون عدوهم إذا ظهر عليهم بالتملق وإظهار الذلة والاعتراف بالظلم والتقصير ثم صدقوا الرسل بقولهم :
« وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ »
.
قوله تعالى :
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
اسم كان محذوف والتقدير إن كانت الفعلة أو النفخة إلا نفخة واحدة تفاجئهم أنهم مجموع محضرون لدينا من غير تأخير ومهلة .
والتعبير بقوله :
« لَدَيْنا »
لأن اليوم يوم الحضور لفصل القضاء عند اللّه سبحانه .
قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
أي في هذا اليوم يقضي بينهم قضاء عدلا ويحكم حكما حقا فلا تظلم نفس شيئا .
وقوله :
وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
عطف تفسير لقوله :
« فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً »
وهو في الحقيقة بيان برهاني لانتفاء الظلم يومئذ لدلالته على أن جزاء أعمال العاملين يومئذ نفس أعمالهم ، ولا يتصور مع ذلك ظلم لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه وتحميل العامل عمله وضع الشيء في موضعه ضرورة .
وخطاب الآية من باب تمثيل يوم القيامة وإحضار من فيه بحسب العناية الكلامية ، وليس - كما توهم - حكاية عما سيقال لهم أو يخاطبون به من جانب اللّه سبحانه أو الملائكة أو المؤمنين يوم القيامة فلا موجب له من جهة السياق .
والمخاطب بقوله :
« وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
السعداء والأشقياء جميعا .