إقامتهم وتسييرهم من منفى إلى منفى ، والإصاخة إلى سعاية ذلك الشابّ المستهتر ، واللّه سبحانه يقول :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
« 1 » .
وكان على الخليفة أن يبعث إليه باللائمة بل يعاقبه على ما فرّط في جنب أولياء اللّه بتسميته إيّاهم السفهاء وهم قرّاء المصر ، وزعماء الملأ ، ونسّاك القطر ، وفقهاء القارة ، وهم القدوة في التقوى والنسك ، وبهم الأسوة في الفقه والأخلاق ، ولم يكن عليهم إلّا عدم التنازل لميول ذلك الغلام الزائف ، وعدم مماشاتهم إيّاه على شهواته ومزاعمه .
وهلّا استشف الخليفة حقيقة ما شجر بينه وبين القوم حتّى يحكم فيه بالحقّ ، لكنّه بدل أن يتّخذ تلكم الطريقة المثلى في القضيّة استهواه ذلك الشابّ المترف فمال إليه بكلّه ، ونال من القوم ما نال ، وأوقع بهم ما حبّذه له الحبّ المعمي والمصمّ ، لكنّ الدين وملأه أنكرا ذلك عليه وحفظه التاريخ ممّا نقم به على عثمان .
كانت لائمة معاوية للقوم مزيجها الملاينة لا عن حلم ، وخشونة لا يستمرّ عليها ، كلّ ذلك لم يكن لنصرة حقّ أو ابتغاء إصلاح ، وإنّما كان يكاشفهم جلبا لمرضاة الخليفة ، ويوادعهم لما كان يدور في خلده من هوى الخلافة غدا ، وكان يعرف القوم بالشدّة والمتبوعيّة ، فما كان يروقه قطع خطّ الرجعة بينه وبينهم متى تسنّى له الحصول على غايته المتوخّاة ، وكانت هذه الخواطر لا تبارحه ، ولا يزال هو يعدّ الدقائق والثواني للتوصّل إليها ، وكان أحبّ الأشياء إليه اكتساح العراقيل دونها ؛ ولذلك أطلق سراح القوم وتثبّط عن النهضة لنصرة عثمان لمّا استنصره - كما سيأتي تفصيله - حتّى قتل ومعاوية في الخاذلين له .
هامش
( 1 ) - الحجرات : 6 .