جناية التاريخ
ما أكثر جناية التاريخ على ذوي الفضل والأحساب الّذين تستفيد الامّة من تاريخ حياتهم ، كرائم أخلاقهم ، وآثار مآثرهم ، ونفسيّاتهم الكاملة ، ومعاقد أقوالهم وبوالغ عظاتهم ، ودرر حكمهم ، وموارد إقدامهم وإحجامهم !
تجد التاريخ هنا يسرع السير فينسي ذكرهم ، ويغمط فضلهم ، أو يأتي بمجمل من القول في صورة مصغّرة ، أو يحوّر الكلام ومزيجه الخبر المائن أو رواية شائنة ، كلّ ذلك تأييدا لمبدأ ، وأخذا بناصر نزعة ، وسترا على أقوام آخرين تمسّ الحقيقة الراهنة بهم وبكرامتهم ، وتبعا لأهواء وشهوات من ساسة الوقت أو زعماء الزمن .
فمن هذه النواحي كلّها أغفل التاريخ عن التبسّط في حياة أبي ذرّ الماثلة بالفضائل والفواضل الشاخصة بالعبقريّة والكمال ، الّتي يجب أن تتّخذ قدوة في السلوك والتهذيب ، وأن تكون للامّة بها أسوة وقدوة في التقوى والمبدأ .
البلاذري :
فتجد البلاذري يذكر حديث إخراج أبي ذرّ إلى الربذة من عدّة طرق ويروي قول أبي ذرّ لحوشب الفزاري - وأبو ذرّ هو الّذي ما أظلّت الخضراء . . . - أخرجت كارها . ثمّ عقّبه باكذوبة سعيد بن المسيّب - الّذي كان من مناوئي العترة الطاهرة وشيعتهم - من إنكار إخراج عثمان إيّاه ، وأنّه خرج إليها راغبا في سكناها .
ولا يعلم المغفّل أنّ في ذلك تكذيبا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فيما أخبر أبا ذرّ بأنّه يخرج من المدينة « 1 » .
هامش
( 1 ) - انظر مسند أحمد 5 : 178 [ 6 / 228 - 229 ، ح 21048 ، 21049 ] ورجال الإسناد كلّهم ثقات .