وفي فتح الباري « 1 » نقلا عن غيره : « الصحيح أنّ إنكار أبي ذرّ كان على السلاطين الّذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه » .
وتعقّبه النووي بالإبطال لأنّ السلاطين حينئذ كانوا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وهؤلاء لم يخونوا .
وفي هذا التعقيب تدجيل ظاهر ؛ فإنّ يوم هتاف أبي ذرّ بمناويه لم يكن العهد لأبي بكر وعمر ، وإنّما كان ذلك يوم عثمان المخالف لهما في السيرة مخالفة واضحة ، والمبائن للسيرة النبويّة في كلّ ما ذكرناه ؛ ولذلك كلّه كان سلام اللّه عليه ساكتا عن هتافه في العهدين وكان يقول لعثمان : « ويحك يا عثمان ! أما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل رأيت هذا هديهم ؟ إنّك تبطش بي بطش جبّار » . ويقول : « اتّبع سنّة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام » .
وكان ينكر مع ذلك على معاوية المتّخذ شناشن الأكاسرة والقياصرة بالترفّه والتوسّع والاستيثار بالأموال ، وكان في العهد النبويّ صعلوكا لا مال له ووصفه به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 2 » وفي لفظ : « إنّ معاوية ترب خفيف الحال » « 3 » .
فما واجب أبي ذرّ عندئذ ، وقد أمره النبيّ الأعظم في حديث « 4 » السبعة الّتي أوصاه بها ، بأن يقول الحقّ وإن كان مرّا ، وأمره بأن لا يخاف في اللّه لومة لائم ؟ !
هامش
( 1 ) - فتح الباري 3 : 213 [ 3 / 275 ] .
( 2 ) - صحيح مسلم ، كتاب النكاح والطلاق 4 : 195 [ 3 / 290 ، ح 36 ] ؛ سنن النسائي 6 : 75 [ 3 / 274 ، ح 5352 ] ؛ سنن البيهقي 7 : 135 .
( 3 ) - صحيح مسلم 4 : 199 [ 3 / 295 ، ح 48 ] .
( 4 ) - أخرجه ابن سعد في الطبقات : 164 [ 4 / 229 ] من طريق عبد اللّه بن الصامت عن أبي ذرّ قال : « أوصاني خليلي بسبع : [ أمرني ] بحبّ المساكين والدنوّ منهم ، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي ، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا ، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت ، وأمرني أن أقول الحقّ وإن كان مرّا ، وأمرني أن لا أخاف لومة لائم ، وأمرني أن أكثر من لا حول ولا قوّة إلّا باللّه ؛ فإنّهنّ من كنز تحت العرش » .