إنّها مسألة اجتهاديّة ؛ ولذلك اختلف فيها العلماء ؛ فقوله - يعني عثمان - فيها لا يوجب تكفيرا ولا تفسيقا .
خفي على المغفّل أنّ الاجتهاد في تجاه النصّ لا مساغ له ، وأنّ المسألة لم يكن فيها خلاف إلى يوم أحدوثة عثمان ، بل كانت السنّة الثابتة عند جميع الصحابة بقول واحد وجوب القصر للمسافر ، وما كان عمل الخليفة إلّا مجرّد رأي رآه خلاف سنّة أبي القاسم صلّى اللّه عليه وآله .
الدين عند السلف سياسة وقتيّة :
تعطينا هذه الروايات الواردة في صلاة الخليفة درسا ضافيا صافقه الاستقراء لكثير من الموارد : أنّ كثيرين من الصحابة ما كان يحجزهم الدين عن مخالفة التعاليم المقرّرة وكانوا يقدّمون عليها سياسة الوقت ، وإلّا فلا وجه لتربيعهم الصلاة وهم يرون أنّ المشروع خلافه لمحض أنّ الخلاف شرّ ، وهم أو من ناضل عنهم وحكم بعدالتهم أجمع لا يرون جواز التقيّة ؛ فعبد اللّه بن عمر يتّبع الخليفة في أحدوثته ، وكان يتمّ إذا صلّى مع الإمام ، وإذا صلّى وحده صلّى ركعتين ، وفي لسانه قوله : « الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنّة فقد كفر » « 1 » . وبمسمع منه قوله صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه لا يقبل عمل امرئ حتّى يتقنه » . قيل :
وما إتقانه ؟ قال : « يخلصه من الرياء والبدعة » « 2 » . وقوله صلّى اللّه عليه وآله : « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ » « 3 » .
وهذا عبد اللّه بن مسعود يرى السنّة في السفر ركعتين ، ويحدّث بها ، ثمّ يتمّ معتذرا بأنّ عثمان كان إماما فما أخالفه والخلاف شرّ .
هامش
( 1 ) - راجع سنن البيهقي 3 : 140 .
( 2 ) - بهجة النفوس للحافظ ابن أبي جمرة الأزدي الأندلسي 4 : 160 [ ح 241 ] .
( 3 ) - المحلّى 7 : 197 [ المسألة 866 ] .