وأمّا الخيفة ممّن حجّ من أهل اليمن وجفاة الناس الّذين لم يتمرّنوا بالأحكام أن يقولوا : إنّ الصلاة للمقيم ركعتان هذا إمام المسلمين يصلّيها كذلك : فقد كانت أولى بالرعاية على العهد النبويّ والناس حديثو عهد بالإسلام ، ولم تطرق جملة من الأحكام أسماعهم ، وكذلك على العهدين قبله ، لكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يرعها بعد بيان حكمي الحاضر والمسافر ، وكذلك من اقتصّ أثره من بعده ، ولقد صلّى صلّى اللّه عليه وآله بمكّة ركعتين أيّام إقامته بها ثمّ قال : « أتمّوا الصلاة يا أهل مكّة ! ؛ فإنّا سفر » ، أو قال : « يا أهل البلد ! صلّوا أربعا ؛ فإنّا سفر » « 1 » .
على أنّ الخليفة إن أراد أن ينقذ الهمج من الجهل بتشريع الصلاة أربعا فقد ألقاهم في الجهل بحكم صلاة المسافر ؛ فكان تعليمه العمليّ إغراء بالجهل .
هذه حجج الخليفة الّتي أدلى بها يوم ضايقه عبد الرحمن بن عوف لكنّها عادت عنده مدحورة ، وقد أربكه عبد الرحمن بنقد ما جاء به فلم يبق عنده إلّا أن يقول : « هذا رأي رأيته » ، كما أنّ مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا دخل عليه وخصمه بحجاجه فقال : « واللّه ما حدث أمر ولا قدم عهد ، ولقد عهدت نبيّك يصلّى ركعتين ، ثمّ أبا بكر ، ثمّ عمر ، وأنت صدرا من ولايتك ؛ فما أدري ما ترجع إليه . . . » وعجز الرجل عن جوابه فقال : « رأي رأيته » « 2 » .
هذا منقطع معاذير عثمان في تبرير أحدوثته فلم يبق له ارتحاضه إلّا قوله :
« رأي رأيته » ، لكن للرجل من بعده أنصارا اصطنعوا له أعذارا أخرى هي أوهن من بيت العنكبوت ، ولم يهتد إليها نفس الخليفة حتّى يغبّر بها في وجه
هامش
( 1 ) - سنن البيهقي 3 : 136 و 157 ؛ سنن أبي داود 1 : 191 [ 2 / 9 ، ح 1229 ] ؛ أحكام القرآن للجصّاص 2 : 310 .
( 2 ) - [ تاريخ الأمم والملوك 4 / 267 ، حوادث سنة 29 ه ] .