« شهدت عمر حين طعن اتي بنبيذ شديد فشربه » « 1 » .
وكان حدّة شرابه وشدّته بحيث لو شرب غيره منه لسكر وكان يقيم عليه الحدّ ؛ غير أنّ الخليفة كان لم يتأثّر منه لاعتياده أو كان يكسره ويشربه .
قال الشعبي : شرب أعرابيّ من إداوة عمر فاغشي فحدّه عمر . ثمّ قال :
وإنّما حدّه للسكر لا للشرب « 2 » .
وفي لفظ الجصّاص في أحكام القرآن « 3 » : « إنّ أعرابيّا شرب من شراب عمر فجلده عمر الحدّ . فقال الأعرابي : إنّما شربت من شرابك . فدعا عمر شرابه فكسره بالماء ثمّ شرب منه وقال : من رابه من شرابه شيء فليكسره بالماء » .
وعن أبي رافع : « إنّ عمر بن الخطّاب رضى اللّه عنه قال : إذا خشيتم من نبيذ شدّته فاكسروه بالماء » .
أخرجه النسائي في سننه « 4 » وعدّه ممّا احتجّ به من أباح شرب المسكر .
ومن العجيب حدّ من شرب من إداوة عمر فسكر ؛ لأنّه إن كان لا يعلم أنّ ما في الإداوة مسكر وشرب فلا حدّ عليه ؛ كما أخرجه أبو عمر في العلم « 5 » عن الخليفة نفسه من قوله : « ما الحدّ إلّا على من علمه » .
وإن كان يعلم ذلك فإنّ له في شرابه أسوة بالخليفة ، والفرق بينهما بأنّه أسكره ولم يكن يسكر الخليفة لاعتياده به تافها .
فكأنّ المدار عند الخليفة في حلّية الأشربة والحدّ عليها على الإسكار وعدمه بالإضافة إلى شخص كلّ شارب ؛ وينبئ عنه قوله : « الخمر ما خامر
هامش
( 1 ) - تاريخ بغداد للخطيب 6 : 156 .
( 2 ) - العقد الفريد 3 : 416 [ 6 / 278 ] .
( 3 ) - أحكام القرآن 2 : 565 [ 2 / 464 ] .
( 4 ) - السنن الكبرى 8 : 326 [ 3 / 237 ، ح 5214 ] .
( 5 ) - جامع بيان العلم 2 : 86 [ ص 308 ، ح 1548 ] .