عليهم ، وإنّ اللهَ بَعَثَ عيسى ( عليه السلام ) في وقت قد ظهرَتْ فيه الزماناتُ ، واحتاجَ الناسُ إلى الطبّ ،
فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عندهم مثلُه ، وبما أحيا لهم الموتى ، وأبرَأَ الأكمَهَ
والأبرصَ بإذن الله تعالى ، وأثبَتَ به الحجّةَ عليهم . وإنّ الله تعالى بعث محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) في وقت
كان الغالبُ على أهل عصره الخُطَبَ والكلامَ - وأظنُّه قال : الشعر - فأتاهم من عند الله
تعالى من مواعظه وحِكَمِه ما أبطلَ به قولَهم ، وأثْبَتَ به الحجّةَ عليهم " .
قال : فقال ابنُ السكّيتِ : تاللهِ ما رأيْتُ مثلَكَ قطُّ ، فما الحجّةُ على الخلق اليومَ ؟ قال :
فقال ( عليه السلام ) : " العقلُ ، يَعرفُ به الصادقَ على الله فيُصدِّقُه ، والكاذبَ على الله فيُكذِّبُه " قال :
فقال ابنُ السكّيتِ : هذا - والله - هو الجوابُ .
21 . الحسين بن محمّد ، عن مُعلّى بن محمّد ، عن الوشّاء عن المثنّى الحَنّاط ، عن
قُتيبةَ الأعشى ، عن ابن أبي يعفور ، عن مَوْلًى لبني شيبان ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : " إذا
شرح
قوله : ( فما الحجّة على الخلق اليوم ؟ ) أي كان الحجّة على الخلق في صدق الرسل
معجزاتِهم ، فما الحجّة عليهم اليومَ في صدق من يجب اتّباعه وتفترض طاعته ، حيث
لا يعرف بالمعجزة الظاهرة ؟ فقال ( عليه السلام ) : ( العقل يعرف به الصادق على الله . . . ) فإنّه بعد
نزول الكتاب وانضباط الآثار الثابتة عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يعرف بالعقل الصادق على الله عن
الكاذب عليه ؛ فإنّ الصادقَ على الله عالمٌ بالكتاب ، راع له ، متمسّك بالسنّة ، حافظ لها ،
والكاذبَ على الله تاركٌ للكتاب ، غير عالم به ، مخالف للسنّة بقوله وفعله .
قوله : ( وضع الله يده على رؤوس العباد ) .
وضع اليد كنايةٌ عن إنزال الرحمة والتقوية بإكمال النعمة .
وقوله : ( فجمع بها عقولهم ) يحتمل وجهين :
أحدهما : أنّه يجعل عقولهم مجتمعين على الإقرار بالحقّ ، فلا يقع بينهم اختلاف
ويتّفقون على التصديق .
والآخر : أنّه يجمع عقل كلّ واحد منهم ، ويكون جمعه باعتبار مطاوعة القوى
النفسانية للعقل ، فلا يتفرّق لتفرّقها .