فِي الْكِتَبِ مِن شَئ ) وأنزَلَ في حَجَّةِ الوَداعِ وهي آخِرُ عمره ( صلى الله عليه وآله ) : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا ) وأمرُ الإمامةِ من تمام الدين ، ولم
يَمْضِ ( صلى الله عليه وآله ) حتّى بَيَّنَ لأُمّته معالمَ دينهم ، وأوضَحَ لهم سبيلَهم ، وتَرَكَهم على قَصْد سبيلِ
الحقّ ، وأقامَ لهم عليّاً ( عليه السلام ) عَلَماً وإماماً . وما تَرَكَ لهم شيئاً يَحتاجُ إليه الأُمّةُ إلاّ بَيَّنَه ، فمن
زعم أنَّ اللهَ - عزّ وجلّ - لم يُكْمِلْ دينَه فقد رَدَّ كتابَ الله ، ومن رَدَّ كتابَ اللهِ فهو كافرٌ به .
هل يَعرفونَ قَدْرَ الإمامة ومحلَّها من الأُمّة فيجوزَ فيها اختيارُهم ، إنَّ الإمامةَ أجَلُّ قَدْراً
وأعظمُ شأناً وأعلى مكاناً وأمنَعُ جانباً وأبْعَدُ غوراً من أن يَبْلُغَها الناسُ بعقولهم ، أو يَنالوها
بآرائهم ، أو يُقيموا إماماً باختيارهم ، إنَّ الإمامةَ خَصَّ اللهُ - عزّ وجلّ - بها إبراهيمَ الخليلَ ( عليه السلام )
بعد النبوَّةِ والخُلَّةِ مرتبةً ثالثةً ، وفضيلةً شَرَّفَه بها وأشادَ بها ذكرَه ، فقال : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ
إِمَامًا ) فقال الخليلُ ( عليه السلام ) سروراً بها : ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) قالَ اللهُ تبارك وتعالى :
شرح
قوله : ( وتركهم على قصد سبيل الحقّ ) .
" القصد " : استقامة الطريق ، أي تركهم على السبيل المستقيم الموصلِ سلوكُه إلى
الحقّ . ( وأقام لهم عليّاً ( عليه السلام ) عَلَماً وإماماً ) بنصّه ( صلى الله عليه وآله ) على إمامته يوم الغدير وتبليغه ما
أُمر بتبليغه . ( وما ترك شيئاً يحتاج إليه الأُمّة إلاّ بيَّنه ) فإنّ بإمامته ومعرفتها والرجوع
إليه يقضي ( 1 ) حاجتهم ، كما قال عزّ من قائل : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي ) ( 2 ) ( فمن زعم أنّ الله لم يُكمل دينه ) بنصبه بالإمامة ( فقد ردّ كتابَ الله ، ومن
ردّ كتاب الله فهو كافر به ) وأنّى للناس الوصولُ إلى معرفة مَن يُكمل الدين ويتمّ
الهداية بالانقياد والتسليم له ؟ ومن المعلوم أنّ الناس لا يعرفون مرتبة الإمامة وما هو
مناطها ، وليس لهم طريق إليها بعقولهم إلاّ بإيقاف من الله سبحانه وتبليغ من
رسوله ( صلى الله عليه وآله ) كيف وهي مرتبة مَنَّ الله تعالى بها على خليله ( صلى الله عليه وآله ) ، وبشّر بها بعد نبوّته
وخلّته ( وفضيلة شرّفه بها ، وأشاد بها ذكره ) أي رفع بها قدره وشرفَه أوصِيتَه
وثناءه ( فقال : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) فقال الخليل ( عليه السلام ) سروراً بها ) أي بالإمامة
هامش
1 . في " ل " : " تقضي " .
2 . المائدة ( 5 ) : 3 .