( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) . فأبْطَلَتْ هذه الآيةُ إمامةَ كلِّ ظالم إلى يوم القيامة وصارَتْ في
الصفوة ، ثمّ أكْرَمَه اللهُ تعالى بأن جَعَلَها في ذُرّيّته أهلِ الصفوة والطهارةِ ، فقال : ( وَوَهَبْنَا لَهُ
إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ
فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ ) .
شرح
بعد الخلّة بترجّيها لذرّيّته ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) فقال الله تعالى في جوابه : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ ) ( 1 ) أي من يتّصف من ذرّيّتك بالظلم لا يناله عهدُ الإمامة ؛ لأنّ صفة الظلم
مانعة ( 2 ) عن الصلوح له ، وقبح إدخالُ الظالم في عهد الإمامة والجواب بيانٌ ببرهان ،
وردٌّ باعتذار ، فبعدُ ( 3 ) لم يبق مجال للمراجعة في الطلب والسؤال لمن أخرجه عن
شمول العهد .
وفيه إشعار بدخول غير الظالم من ذرّيّته في عهد الإمامة له ( عليه السلام ) ما أمكن . ولمّا كان
المطلوب لهم الإمامة بعده من ذرّيّته ، فالظالم شامل لكلّ من يظلم بعد ذلك من
المستقبلين من ذرّيّته وليس مستعملا في الحال أو الماضي ( فأبطلت هذه الآية
إمامة كلّ ظالم ) يظلم منهم ( إلى يوم القيامة ، وصارت ) الإمامة ( في الصفوة ) يعني
الذين أشعر بدخولهم من ذرّيّته في عهد الإمامة له ( عليه السلام ) ثمّ جعل الإمامة في أهل
الصفوة والطهارة من ذرّيّته ، فقال تعالى : ( وَوَهَبْنَا لَه إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا
صَالِحِينَ ) ( 4 ) . والنافلة ولد الولد . وأوصل بجعلهم صالحين جَعْلَهم أئمّةً ، فقال بعد
قوله : ( وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) ( 5 ) إشعاراً بتوقّف الإمامة
على الصلاح ، وأتبعه بقوله : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) الآية ، إيماءً إلى تقدّم
إمامتهم على نبوّتهم ؛ لحصول الإمامة لهم بالعهد لإبراهيم ( عليه السلام ) لسؤاله الإمامةَ دون
النبوّة ، فلم يزل الإمامة في ذرّيّة إبراهيم ( عليه السلام ) يرثها بعض من ذرّيّته من ( 6 ) بعض قرناً
فقرناً .
هامش
1 . البقرة ( 2 ) : 124 .
2 . في " ل " : " لأنّ الظلم مانع " .
3 . في " خ ، م " : " فبعده " .
4 . الأنبياء ( 21 ) : 72 .
5 . الأنبياء ( 21 ) : 72 و 73 .
6 . في " ل " : " عن " .