يَستَوفيَ منها رزقَه ، ومن طَلَبَ الدنيا طَلَبَتْه الآخرةُ ، فيأتيه الموتُ ، فيُفْسِدُ عليه دنيا هُو آخرتَهُ .
يا هشام ، من أرادَ الغِنى بلا مال ، وراحة القلبِ من الحَسَد ، والسلامةَ في الدين ،
فَلْيتضرَّعْ إلى الله عزّ وجلّ في مسألته بأن يُكَمِّلَ عقلَه ، فمن عَقَلَ قَنِعَ بما يكفيه ، ومن قَنِعَ
بما يكفيه استغنى ، ومن لم يَقْنَعْ بما يكفيه لم يُدْرِك الغنى أبداً .
يا هشام ، إنّ اللهَ حكى عن قوم صالحينَ أنّهم قالوا : ( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) حين علموا أنّ القلوبَ تَزيغُ وتَعودُ إلى عماها
ورَداها .
إنَّه لم يَخَفِ اللهَ مَنْ لم يَعْقِلْ عن الله ، ومن لم يَعْقِلْ عن الله لم يَعْقِدْ قلبَه على معرفة
شرح
من الطوارئ التي ليس من حقّ الدنيا في ذاتها أن تكون موصوفة بها ، فلو أتى
بالعاطف لفاتت تلك الدلالة . وأمّا الآخرة فلمّا كان الأمران - أي الطالبيّة والمطلوبيّة -
كلاهما ممّا تستحقها وتتّصف بها في ذاتها فأتى بالعاطف .
وإن حمل قوله : " الدنيا طالبة مطلوبة " على تعدّد الخبر ، ففي ترك العاطف دلالة
على عدم ارتباط طالبيّتها بمطلوبيّتها ( 1 ) ، وأمّا في الآخرة فالأمران فيها مرتبطان لا
يفارق أحدهما الآخر ، ( 2 ) ولذا أتى بالواو الدالّة على التقارن في أصل الثبوت لها .
قوله : ( إنّه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ) إلى آخره .
لعلّ المراد أنّه من لم يكن صالحاً لم يخف الله ؛ لأنّه من لم يكن صالحاً لم يكن
قوله مصدّقاً لفعله ، وسرّه موافقاً لعلانيته ؛ ومن لم يكن كذلك لم يكن ذا معرفة
ثابتة ( 3 ) يجد حقيقتها في قلبه ؛ لأنّ الله تبارك وتعالى جعل الظاهر دليلا على الباطن ،
فالفعل ظاهر ( 4 ) يدلّ على الاعتقاد الذي هو من الخفايا والسرائر ويكشف عنه ،
هامش
1 . في حاشية " ت " : يعني إذا طلبته الدنيا استوفى منها رزقه ولا يحتاج إلى أن يطلبها .
2 . في حاشية " ت " : يعني إذا طلبته الآخرة أدركه الموت ، وإذا حصل له العلم بذلك ينبغي أن يطلبها لتهيّأ أسبابها ،
فلا يفارق أحدهما عن الآخر ، فيلائم التقارن العطف بالواو .
3 . في " ل " : " معرفة بالله " .
4 . في " ل " : " ظاهراً " .