وَذِكْرَى لأُوْلِى الأَلْبَابِ ) وقال : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) .
يا هشام ، إنّ الله تعالى يقول في كتابه : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُو قَلْبٌ ) يعني :
عقل ، وقال : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ) قال : الفهم والعقل .
يا هشام ، إنَّ لقمان قال لابنه : تواضَعْ للحقّ تَكُنْ أعقلَ الناسِ ، وإنّ الكَيْسَ لدى الحقّ
يسيرٌ ، يا بُنيَّ إنّ الدنيا بَحْر عميقٌ ، قد غَرِقَ فيها عالَم كثير ، فلتكنْ سفينتُك فيها تقوَى الله ،
وحَشْوُها الإيمانَ ، وشِراعُها التوكّلَ ، وقيّمُها العقلَ ، ودليلُها العلمَ ، وسكّانُها الصبرَ .
يا هشام ، إنّ لكلّ شيء دليلاً ، ودليلُ العقل التفكّرُ ، ودليلُ التفكّرِ الصمتُ ، ولكلّ شيء
شرح
قوله : ( قال : الفهم والعقل ) .
يعني أعطاه الله الفهم والعقل ، وعليهما مدار الحكمة التي هي المعرفة الحقّة
والتخلّق بالخلق الحسن الجميل ، وباستعمالهما يحصل الحكمة ، فكان إعطاؤهما
إعطاءها .
قوله : ( تواضع للحقّ تكن أعقل الناس ) .
المراد بالتواضع للحقّ الإقرار به ، والإطاعة والانقياد له . والإقرار بالحقّ دليل
العقل ؛ لأنّ العقل يأمر به ، والجهلَ يمنع عنه .
وقوله : ( إنّ الكَيْس لدى الحقّ يسير ) .
في المصادر : الكيس والكياسة " زيرك شدن " والكَيْس " به زيركى غلبه
كردن " . فيحتمل أن يكون " اليسير " بمعنى القليل ، والكيس بأوّل المعنيين ، وأن
يكون " اليسير " مقابل العسير ، والكيس بأحد المعنيين ، والمراد أنّ إدراك الحقّ
ومعرفتَه لدى موافاته بالكياسة يسير ، أو أنّ الغلبة بالكياسة عند القول بالحقّ
والاقرار به يسير .
ويحتمل أن يكون " الكيّس " بالتشديد ، أي ذو الكياسة عند ظهور الحقّ بإعمال
الكياسة والإقرار بالحقّ قليل .
قوله : ( ودليل العقل التفكّر ) فإنّ العقل يصل إلى مطلوبه بالتفكّر ، ودليل التفكّر
الصمت ، فإنّ التفكر يتمّ به .