تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحاشية على أصول الكافي — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
مَطيّةً ، ومطيّةُ العقلِ التواضعُ ، وكفى بك جهلاً أن تركبَ ما نُهيتَ عنه . يا هشام ، ما بعث الله أنبياءَه ورسلَه إلى عبادِه إلاّ ليعْقِلوا عن الله ، فأحْسَنُهم استجابةً أحْسَنُهم معرفةً ، وأعلَمُهم بأمر الله أحسنهم عقلاً ، وأكْمَلُهم عقلاً أرْفَعُهم درجةً في الدنيا والآخرة . يا هشام ، إنّ لله على الناس حُجّتينِ : حُجّةً ظاهرةً ، وحُجّةً باطنةً ، فأمّا الظاهرةُ فالرُّسُلُ والأنبياء والأئمّةُ ( عليهم السلام ) ، وأمّا الباطنةُ فالعقولُ . يا هشام ، إنّ العاقلَ الذي لا يَشْغَلُ الحلالُ شكرَه ، ولا يَغْلِبُ الحرامُ صبرَه . يا هشام ، مَن سلّطَ ثلاثاً على ثلاث فكأنّما أعانَ على هَدْم عقله : من أظلم نورَ تفكّره بطول أمله ، ومحا طرائفَ حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نورَ عِبْرته بشهوات نفسه ، فكأنّما أعانَ هواهُ على هَدْم عقلِه ، ومن هَدَمَ عقْلَه أفسَدَ عليه دينه ودنياه . يا هشام ، كيف يزكو عند الله عملُكَ ، وأنت قد شغلتَ قلبَك عن أمر ربّك ، وأطعْتَ هواك على غلبة عقلك ؟ ! يا هشام ، الصبرُ على الوحدةِ علامة قوّةِ العقلِ ، فمن عَقَلَ عن الله اعتزلَ أهلَ الدنيا والراغبين فيها ، ورَغِبَ فيما عند اللهِ ، وكانَ الله أُنْسَه في الوحشة ، وصاحبَه في الوحدة ، وغِناهُ في العَيْلَةِ ، ومُعِزَّهُ من غير عَشيرة .
شرح
قوله : ( ومطيّة العقل التواضع ) . يعني التذلّل والانقياد للأوامر والنواهي ، فمن ركب المنهيّ عنه ولم يتواضع للأوامر والنواهي ، بقي عقله بلا مطيّة ، فيصير إلى الجهل . قوله : ( فأحسنهم استجابة ) . لمّا كان غاية البعثة والإرسال حصولَ معرفة الله ، فمَن كان أحسنَ معرفةً كان أحسن استجابة ، ومن كان أحسن عقلا كان أعلم بأمر الله وأعمل به ، فالأكمل عقلا أرفع درجة ؛ حيث يتعلّق رفع الدرجة بكمال ما هو الغاية . قوله : ( نصب الحقّ لطاعة الله ) . أي أُقيم الحقّ بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، ليطاع الله في أوامره ونواهيه ، ولا نجاة إلاّ