تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحاشية على أصول الكافي — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
فقالَ : لا ، قلتُ : وكيف ذلك وهي صحيحةٌ سليمةٌ ، قال : يا بُنيَّ إنَّ الجوارحَ إذا شَكَّتْ في شيء شَمَّتْهُ أو رَأتْهُ أو ذاقَتْه أو سَمِعَتْه ، رَدَّتْهُ إلى القلب ، فيَستيقِنُ اليقينَ ويُبطِلُ الشكَّ ، قالَ هشامٌ : فقلتُ له : فإنّما أقامَ الله القلبَ لشكّ الجوارح ؟ قال : نعم ، قلت : لا بُدَّ من القلب وإلاّ لم تَستيقِنِ الجوارحُ ؟ قال : نعم ، فقلتُ له : يا أبا مروانَ ، فاللهُ تبارَكَ وتعالى لم يَتْرُكْ جوارحَك حتّى جَعَلَ لها إماماً يُصَحِّحُ لها الصحيحَ ، ويَتَيَقَّنُ به ما شُكَّ فيه ، ويَتْرُكُ هذا الخلق كلَّهم في حيرتهم وشَكّهم واختلافهم ، لا يُقيمُ لهم إماماً يَرُدُّونَ إليه شَكَّهم وحيرتهم ، ويُقيمُ لك إماماً لجوارحك تَرُدُّ إليه حيرتَك وشكَّك ؟ ! قال : فسَكَتَ ولم يَقُلْ لي شيئاً . ثمّ التفتَ إليَّ ، فقالَ لي : أنت هشام بن الحكم ؟ فقلتُ : لا ، قال : أمِنْ جُلَسائه ؟ قلتُ : لا ، قال : فمن أين أنت ؟ قال : قلتُ : من أهل الكوفة ، قال : فأنت إذاً هو ، ثمَّ ضَمَّني إليه ، وأقْعَدَني في مجلسه ، وزالَ عن مجلسه وما نَطَقَ حتّى قُمْتُ . قال : فضَحِكَ أبو عبد الله ( عليه السلام ) وقال : " يا هشام ، من عَلَّمَكَ هذا ؟ " ، قلتُ : شيءٌ أخَذْتُه منك وألَّفْتُه ، فقال : " هذا والله مكتوبٌ في صُحُف إبراهيمَ وموسى " .
شرح
وتحرير بيان : احتياج النفس مع هذه القوى الحسيّة إلى قوّتها الحاكمة عليها أنّها من شأنها من حيث هذه القوى هذه الإدراكاتُ التصوّريّة ، دون التصديقات واليقينيّات ، فلا تستيقن إلاّ بقوّة أُخرى هي الحاكمة باليقينيّات ، وهي القوّة التي بها يخرج عن الشكّ إلى اليقين ، فإنّما أقام الله القلب بإعطاء هذه القوّة ليخرج بها النفس عن تلك المرتبة - التي شأنها بحسبها الشكّ وعدم الاستيقان - إلى مرتبة اليقين ، ثمّ إذا كان بحكمته لا يُخلّ بإعطاء ما يحتاج إليه نفسك في وصولها إلى كمالها القابلة ، كيف يُخلّ بما يحتاج إليه الخلق كلُّهم لخروجهم عن حَيرَتهم وشكّهم إلى الاستيقان بما فيه بقاؤهم ونجاتهم عن الضلال والهلاك ؟ ! فأوّل هذا الكلام تنبيه على حكمته المقتضية للصلاح والخير ، وإعطاء ما يحتاج إليه في الخروج من النقصان إلى الكمال ، والوصول إلى النجاة عن الضلال ، وآخره الاستدلال من تلك الحكمة على إقامة الإمام الذي إنّما يحصل نجاة الخلق عن حيرتهم وشكّهم بمعرفته ، والأخذ عنه ، والاهتداء بهداه .