وسخطاً ، وأنّه لا يُعْرَفُ رضاه وسخطُه إلاّ بوحي أو رسول ، فمن لم يَأتِهِ الوحيُ فقد يَنبغي
له أن يَطْلُبَ الرُّسلَ ، فإذا لَقِيَهم عَرَفَ أنَّهم الحجّةُ وأنَّ لهم الطاعةَ المفترضةَ ، وقلتُ للناس :
تَعلمونَ أنَّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان هو الحجّةَ من الله على خَلْقه ؟ قالوا : بلى ، قلتُ : فحينَ مَضى
رسولُ الله ( صلى الله عليه وآله ) مَن كانَ الحجّةَ على خَلْقه ؟ فقالوا : القرآنُ ، فنظرتُ في القرآن فإذا هو يُخاصِمُ
شرح
للخير والحَسَن ، وكراهتُه للشرّ والقبيح ، وأنّه لا يُخلّ بالحَسَن ولا يأتي بالقبيح ، فلا
يخلّ باللطف إلى عباده ، وإنّما يتمّ بالأمر بالحَسَن والنهي عن القبيح الموجبين للرضا
بالطاعة والسخطِ على المعصية ، وإنّما يعرف أمره ونهيه وإرادته وكراهته بالوحي أو
بإرسال الرسول ، فمن لم يأته الوحي منه - كما هو شأن أبناء هذا النوع كلِّهم في هذه
الأعصار ، وحالُ جماهيرهم في الأعصار الأوّلة - فعليه طلب الرسول ، فإذا طلب اطّلع
عليه بالآيات والحجج الدالّة على رسالته .
وقوله : ( وقلتُ للناس ) أي للعامّة ( تعلمون أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان هو الحجّةَ من
الله على خلقه ) الدالَّ لهم إلى رضاه وسخطه ؟ ( قالوا : بلى ) فقلت : ( حين مضى رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) ) وانتقل إلى جوار الله مَن كان الدالَّ لخلقه إلى أوامره ونواهيه ورضاه
وسخطه ؟ ( فقالوا : القرآن ) أي لا حاجة للدلالة إلى غيره من عباده ؛ حيث أتى بالبيان
الباقي المحفوظ بين العباد يرجعون إليه بعده ، كما كان في حياته يرجعون إليه ( صلى الله عليه وآله )
ويهتدون ببيانه .
فإذا نظرتُ في القرآن فإذا هو لا يغني عن المبيِّن ؛ إذ يخاصم به المرجئ
والقَدَري والزنديق الذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرجال بخصومته ، فعرفتُ أنّه لا يتمّ
حجّة دالّةً إلى رضاه وسخطه إلاّ بقيّم يبيّنه ( 1 ) ، وعَلم أنّ ما قال فيه حقّ ، وهذا ممّا ينازَع
فيه ، فقلت لهم مَن القيّم الذي عَلم أنّ قوله فيه حقّ ؟ فقالوا في الجواب : إنّ هؤلاء
كانوا يعلمون .
هامش
1 . في " ل " : " بيّنه " .