فقال : " يا يونس بن يعقوب ، هذا قد خَصَمَ نفسَه قبل أن يتكلّمَ " ، ثمَّ قالَ : " يا يونسَ ، لو
كنتَ تُحسِنُ الكلامَ كَلَّمْتَهُ " . قال يونس : فيا لها من حَسرة ، فقلتُ : جُعِلتُ فداك ، إنّي سمعتُك
تنهى عن الكلام وتقول : ويلٌ لأصحاب الكلام يقولون : هذا ينقادُ وهذا لا ينقادُ ، وهذا
ينساقُ وهذا لا ينساقُ ، وهذا نَعقِلُه وهذا لا نَعقِلُه ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " إنّما قلتُ : فويلٌ
لهم إن تركوا ما أقولُ وذهبوا إلى ما يريدون " .
ثمَّ قالَ لي : " أُخْرُجْ إلى الباب ، فانظُرْ من تَرى من المتكلّمين فَأدْخِلْه ؟ " قال : فأدخَلْتُ
حُمرانَ بن أعينَ وكانَ يُحسِنُ الكلامَ ، وأدخلتُ الأحولَ وكان يُحسِنُ الكلامَ ، وأدخلتُ هشام
بن سالم وكان يُحسِنُ الكلامَ ، وأدخلتُ قيسَ الماصرَ وكان عندي أحسَنَهم كلاماً ، وكانَ قد
تَعَلَّمَ الكلامَ من عليّ بن الحسين ( عليهما السلام ) ، فلمّا استقرَّ بنا المجلسُ - وكانَ أبو عبد الله ( عليه السلام ) قبل
شرح
نفي ما قاله من قوله : " ومن عندي " ولذا ( 1 ) قال ( عليه السلام ) : ( هذا خاصم ( 2 ) نفسه قبل أن
يتكلّم ) .
وقوله ( عليه السلام ) : ( إنّما قلت : فويل لهم إن تركوا ما أقول ) أي ما ثبت من الشارع في
الدين ، ووجب الأخذ به ، وذهبوا إلى خلافه من الباطل الذي يريدونه ، كمتكلّمي
العامّة من المرجئة والقَدَريّة وأشباههم .
وفيه دلالة على حسن التكلّم والاشتغال بتحصيل الكلام ممّن كان ميسّراً له
بتوفيق الله سبحانه باسترسال طبيعته ، واشتغال قريحته ، وسلامته عن اللجاج والعناد
والانحراف الناشئ عن الحسد والرغبة إلى الفَساد .
ويدلّ قول يونس بن يعقوب في قيس بن الماصر : " وكان قد تعلّم الكلام من
عليّ بن الحسين ( عليهما السلام ) " [ على ] أنّهم ( عليهم السلام ) كانوا يعلّمون الكلام لأصحابهم ، وكفى به
شرفاً وفضلا لهذه الصناعة على ما لم يعلّموه من الصنائع وما ليس ( 3 ) من العلوم
بصناعة .
هامش
1 . في " خ ، ل " : " ولهذا " .
2 . في الكافي المطبوع : " خصم " .
3 . في " ل " : " ومما ليس " .