الحارث الأعور ، قال : خطب أميرُ المؤمنين ( عليه السلام ) خُطبةً بعد العصر ، فعَجِبَ الناسُ من حُسْنِ
صِفَتِه وما ذكَره من تعظيمِ اللهِ جَلَّ جلاله . قال أبو إسحاقَ : فقلتُ للحارث : أوَما حَفِظْتَها ؟
قال : قد كتبتُها ، فأملاها علينا من كتابه : " الحمدُ لله الذي لا يموتُ ولا تَنقضي عجائبُه ، لأنّه
كلَّ يوم في شأن من إحداثِ بديع لم يكن ، الذي لم يَلِدْ فيكونَ في العزِّ مُشارَكاً ، ولم
شرح
قوله : ( الحمد لله الذي لا يموت ) .
الموت هو الهلاك والفناء الذي يبطل معه الحركة والتحريك والإدراك الإحساسي
والفعلُ ، سواء كان ببطلان حقيقة الحيّ وفنائها بالذات - كما في موت الحيوانات التي
نفوسها جسمانيّة مادّيّة بذاتها - أو ببطلان الآلات التي بها تفعل النفس وتُحِسّ
وتتحرّك الحركات النفسانيَّةَ وتحرّكَ الأعضاءَ ، لا ببطلان حقيقة النفس كما في موت
الإنسان ، وهو سبحانه قديم أزلي واجب الوجود بذاته ، لا يجوز عليه الهلاك والفناء
لا ببطلان الحقيقة - وهو ظاهر - ولا ببطلان الآلة ، حيث لا يجوز عليه الافتقار إلى
الآلة في فعله ، كيف ؟ ووجود ما يُفرض آلةً إنّما يكون بفعله والصدورِ عنه ، واستواءُ
نسبته إلى كلّ شيء قدرةً وعلماً يشهد بعدم الافتقار إلى الآلة رأساً . وأمّا افتقار بعض
الأشياء في الوجود إلى بعض عقلا أو عادة ، فليس من افتقاره سبحانه إلى آلة يفعل
بها في شيء أصلا ، فهو سبحانه لا يجوز عليه الموت أصلا ، ولا ينقطع فعله انقطاعَ
فعلِ الأحياء من الممكنات بموتهم .
( ولا ينقضي عجائبه ) أي لا ينقطع أفعاله العجيبة ، والعجيبُ من الأفعال ما لم
يعتدّ مثله وشبهه ( لأنّه كلّ يوم ( 1 ) في شأن ) وأمر لم يكن قبله فيه ؛ فإنّ كلّ يوم
وكلَّ قطعة من الزمان من فعله العجيب الذي لم يسبقه ، ولا يمكن وجوده سابقاً
أو لاحقاً ، وكذا ما هو من معدّاته وأسبابه من حيث خصوصه ، ففي كلّ يوم
إحداث بديع لم يكن .
هامش
1 . في " ل " : + " هو " .