بالحُجَج ، فَعَنْ بَيّنة هَلَكَ من هَلَكَ ، وبمَنّه نجا من نجا ، ولله الفضلُ مُبدئاً ومُعيداً ، ثمَّ إنَّ
الله - وله الحمدُ - افْتَتَحَ الحمدَ لنفسه ، وخَتَمَ أمرَ الدنيا ومحلَّ الآخرة بالحمد لنفسه ، فقال :
( وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ ، وقيلَ الحمدُ لله ربِّ العالمينَ ) .
الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تَجْسيد ، والمُرْتَدي بالجلال بلا تَمثيل ، والمُستوي على
شرح
وحوادث الزمان بما لطف به من خلق الحجج وإرسال الرسول ، وتبليغه الكتاب
والشريعةَ إلى الأنام ، وحفظِ الكتاب والشريعة بإفاضة العلوم على العلماء ، ونصب
الأئمّة الأعلام ، وإلهامهم الحقَّ المبين ، وتوفيقهم للوصول إلى عين اليقين ،
معصومين بعصمته عن الخطأ والضلال ، مستمدّين بتوقيفه من ينبوع الحكمة وعين
الكمال ، فمن هلك بعد ذلك فعن بيّنة هلك ، ومن سلك سبيل الهدى ، وبمنّه نجا ، فعن
بيّنة سلك ( ولله الفضل مُبدِئاً ) حيث أبدأ العباد مفطورين على معرفته ، قادرين على
طاعته وسلوك سبيل النجاة ( ومُعيداً ) حيث لطف بهم ومَنَّ عليهم بالحجج من الرسل
والأئمّة الهُداة ، فنالوا النجاحَ ، وفازوا بالفلاح .
قوله : ( ثمّ إنّ الله - وله الحمد - افتتح الحمد لنفسه ) كما في فاتحة كتابه ، وعلَّم
عبادَه الافتتاحَ بحمده ، وسلك بهم منهاج تحميده ، وختم حادثة الدنيا وشدّة الآخرة
بالحمد لنفسه عند قضائه بين عباده بالحقّ يوم الحساب ، فقال : ( وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ
وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ) ( 1 ) فعلَّم أنّ الافتتاح والاختتام بحمده في الأُمور كلِّها من
محاسن الآداب وممّا ينبغي أن لا يُخَلَّ به .
وقوله : ( الحمد لله اللابس الكبرياء . . . ) قيام بالمرغَّب فيه من التحميد عند
تذكّر حُسنه وإعطاء العلم بحُسنه وطريق سلوك سبيله ، فحَمَده بكبريائه وجلاله
متقدّساً متنزّهاً عمّا لا يليق بكماله ، ونفي في كلّ وصف له ما يوهم عنده على
قياس صفة المخلوق .
هامش
1 . الزمر ( 39 ) : 75 .