أزَلُهُ نُهْيَةٌ لِمَجاوِلِ الأفكارِ ، ودوامُه رَدْعٌ لطامحات العقولِ ، قد حَسَرَ كُنهُهُ نوافذَ
الأبصارِ ، وقَمَعَ وجودُه جوائلَ الأوهامِ ، فمن وَصَفَ اللهَ فقد حَدَّهُ ، ومَن حَدَّه فقد عَدَّه ،
شرح
( أزله ) وقدمه ( نهي لمحاول ( 1 ) الأفكار ) أي لحواذقها الجيّدة الكثيرة التصرّف .
( ودوامه ) وسرمديته ( ردع لطامحات العقول ) المشرفة بإبصارها على ما يبعد
عن ساحة الحضور ، وذلك لأنّه سبحانه أجلُّ من إحاطة العقول بذاته وصفاته ؛
لعجزها عن الإحاطة بما لا يدخل تحت الإمكان ، والأزلي الدائمُ الموجودُ بذاته
- الذي لا يحوم حومَ جلاله وقدسه المنسوباتُ إلى قصور الإمكان ومعالم النقصان -
متعال عن الدخول تحت إحاطة الأوهام والأذهان .
( قد حَسَر كنهُه نوافذَ الأبصار ) ( 2 ) ونواقدَها ، وكشفَها عن لباس الرويّة والإدراك ،
وجعلها منقطعةً عن الوصول إلى ما يقرب من سرادق الجبروت ، فهي منقطعة عن
الوصول إلى إدراك كنهه سبحانه ، منكشفةً عن أن تدركه بكنهه وحقيقته .
( وقمع ) وقهر وذلّل ( وجودُه جوائل الأوهام ) التي تجول وتطوف بدقائق
الأشياء ، وتُسرع في الوصول إلى بدائعها ، فهي مقهورة متذلّلة لوجوده وإنّيّته سبحانه ،
لا تحوم حولَ التوجّه إلى معرفة إنّيّته .
( فمن وصف الله ) بإدراك عقله ووهمه فقد جعله محدوداً في ذاته بمهيّته مغايرة
للإنّيّة ، أو بصفة زائدة معلولة .
هامش
1 . كذا في النسخ وفي " ج " : " لمجال " وفي الكافي المطبوع : " نهية لمجاول " . وفي حاشية " ت ، م " : في كثير من
النسخ " أزله نُهيَة " بضمّ النون وفتح الياء المثنّاة من تحت بعد الهاء . والنُهية اسم بمعنى النهي ، ومجاول - بالجيم -
جمع المصدر الميمي بمعنى الفاعل . وفي بعض النسخ " محاول " بالحاء غير المعجمة ، ومعناه جودة النظر .
والمعنى لا يختلف ، لكن قوله : " وقمع وجوده جوائل الأوهام " يقوّي كون " مجاول " بالجيم كما في أكثر النسخ ؛
لنظر إحدى القرينتين إلى الأُخرى ( منه حفظه الله تعالى ) .
2 . كذا في النسخ والكافي المطبوع ، ولكن في حاشية " ت ، م " : في بعض النسخ : " نوافذ الأبصار " مكان " نواقد
الأبصار " . وهذه القرينة ناظرة إلى القرينة التي قبلها وهي : " دوامه ردع لطامحات العقول " كما أنّ ما بعده من
قوله : " وقمع وجوده جوائل الأوهام " ناظرٌ إلى قوله : " وأزله نهي لمحاول الأفكار " والناظران كالمبيّن والمؤكّد
للمنظور إليهما ( منه ) .