شَئ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ففرَّق بين قبل وبعد ليُعْلَمَ أن لا قبلَ له ولا بعدَ له ،
شاهدةً بغرائزها أن لا غريزةَ لمُغْرِزِها ، مُخبِرَةً بتوقيتها أن لا وقتَ لموقِّتِها ، حجب بعضَها عن
بعض ليُعْلَمَ أن لا حجابَ بينه وبين خلقِه ، كان ربّاً إذ لا مربوبَ ، وإلهاً إذ لا مألوهَ ، وعالماً إذ
لا معلومَ ، وسميعاً إذ لا مَسموعَ " .
شرح
التداني لا يوجب التفرّق ، بل يأباه ، فلا بدّ له من مفرّق ، فهي دالّة بتفريقه لها على
مفرّقها ، وبتأليفه لها على مؤلّفها ، وذلك قول الله تعالى : ( وَمِن كُلِّ شَئ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ( 1 ) .
ولعلّ دلالة خلق الزوجين على المفرّق والمؤلّف لهما لأنّه خلق الزوجين من
واحد بالنوع ، فيحتاج إلى مفرِّق يجعلهما متفرّقين وجُعلا مزاوجين ومؤتلفين أُلفةً
لخصوصهما من جهة المفارقة ، فيحتاج إلى مؤلِّف يجعلهما مؤتلفين ( ففرّق بين قبل
وبعد ليُعلم ) بجعل مهيّة يلزمها القبلُ والبعد كالزمان والوقت ( أن لا قبل له ولا بعد )
لتعالي الخالق عن أن يضمّه المخلوق وهي ( شاهدة بغرائزها ) وطبائعها تشهد بها
( أن لا غريزة لمغرّزها ) لتعاليه عن التحدّد الذي إنّما يكون به الطبيعة والغريزة ؛ لأنّه
تحدّد يلحقه الوجود والمتحدّدة ( 2 ) به خاليةٌ في ذاتها عن الوجود ، أو لتعاليه عن
التحدّد مطلقاً ( مخبرةً بتوقيتها أن لا وقت لموقّتها ) لما ذكر . ( حجب بعضَها عن
بعض ) بتحديد البعض وتوقيته بما لا يحضره بعض ( ليعلم أنّه سبحانه لا حجاب
بينه وبين خلقه ) حيث يتعالى عن التحدّد والتوقّت وغروب شيء عنه . كان ربّاً مالكاً
له على الإطلاق بذاته لكلّ شيء معطياً للوجود وحافظاً ، ومالكيّته وربوبيّته لا
تتوقّف على وجود المربوب ، ولا تتوقّت بوقت وجوده ، فهو ( كان ربّاً إذ لا مربوب )
وهو إله مستحقّ بذاته لأن يُعبد قبل وقت وجود المتعبّد الذي له الإله ، فالمألوه هنا
بمعنى النسبة لا الاشتقاقِ ؛ لئلاّ يخرج الكلام عن الانتظام والاتّساق ، كما حملناه عليه
في باب المعبود وباب معاني الأسماء عند شرح رواية هشام بن الحكم ( وعالماً إذ
هامش
1 . الذاريات ( 51 ) : 49 .
2 . في " ل " : " المتحدّد " .