لا يقالُ له : بَعْدٌ ، شاءَ الأشياءَ لا بِهمَّة ، درّاكٌ لا بخَدِيعة ، في الأشياء كلِّها غيرُ مُتَمازج بها
شرح
الجلالة هو التعاظم عن أن ينال ، أو عن الرفق بمن يقصده ، والمداراة بمن يرانيه
ويرافقه ، ومن يتّصف به من العباد لا يخلو عن الغلظة ، وهو سبحانه يتّصف بها من
حيث صفاته القهريّة التي يقال لها : " صفات الجلال " . والعظمة لا اختصاص لها
بصفات الجلال ، بل صفات الكمال فيها أدخلُ .
قوله : ( قبل كلّ شئ ) أي ربّي موجود قبل كلّ شئ بالعلّيّة ، وكلُّ شئ بعده
بالمعلوليّة له ( لا يقال : شئ قبله ) بنحو من أنحاء القبليّة وأقسامها ؛ لأزليّته ( وبعد
كلّ شئ ) فينتهي وجود كلّ شئ إليه وهو الباقي بعده ( لا يقال له : بعدٌ ) ينتهي
وجوده سبحانه إليه ، فهو بأبديّته باق بعد كلّ شئ ، وكلّ شئ ينتهي وجوده إليه
سبحانه . والمراد أنّه لا يقال له سبحانه : بعدٌ على الإطلاق ومنفرداً عن ذكر القبل ، كما
يقال له : الأوّل والآخِر ، ولا يقال له : الآخِرُ ، منفرداً عن ذكر الأوّل .
شَيِّئُ الأشياء ومعطي شيئيّتها وموجدها لا بقصد واهتمام وحركة نفسانيّة نحوها ،
بل بمشيّة وعلم ذاتي .
هو درّاك لا بآلة يتصرّف فيها ، أو حركة نفسانيّة منتهية إليها وما يشبهها من
الحِيَل والخدائع ( 1 ) في التوصّل إلى المطالب .
حاضر في الأشياء كلّها بعلمه بها ، غير متمازج بها بالمجاورة والخلط ، ولا بائن
منها مفارقاً عنها بالبُعد ؛ فإنّ القرب والبُعد المكانيين وما بحكمهما لا يليقان به
سبحانه ، إنّما يتّصف بهما المخلوقات المتنزّلة .
هامش
1 . في حاشية " ت " : خَدَع الضبُّ في جحرها ، أي دخل . وخدعه ، أي ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم .
وسوقهم خادعة ، أي مختلفة . ودينار خادع ، أي ناقص . والخديعة اسم يطلق لهذه المعاني ، فكلّ ما يتمّ بدخول
آلة أو بحركة نفسانيّة أو بأُمور مختلفة يصحّ فيه أنّه بخديعة ، ولذا عبّر عن نفي الخديعة بنفي الآلة والحركة
النفسانيّة إلى المقاصد وما يشبهها من الحيل والخوادع . . . وأمّا القاهر فليس على معنى علاج ونصب واحتيال
ومداراة ومكر ، كما يقهر العباد بعضهم بعضاً . والدرّاك لغةً أعمّ مأخذاً من القاهر ، وإن كان قد يستعمل المدرك
بغلبة . والواقع في هذا الكلام يصحّ على الوجهين ( منه ) .