نفسَه ، وأنّى يوصَفُ الذي تَعجِزُ الحواسُّ أن تُدرِكَه ، والأوهامُ أن تَنالَه ، والخطراتُ أن
تَحُدَّه ، والأبصارُ عن الإحاطة به ، جَلَّ عمّا وَصَفَه الواصفونَ ، وتعالى عمّا يَنْعَتُهُ الناعتونَ ،
نَأى في قُربه ، وقَرُبَ في نَأْيِه ، فهو في نَأْيِه قريبٌ ، وفى قُربِه بعيدٌ ، كَيَّفَ الكيفَ فلا يقالُ :
كيفَ ، وأيَّنَ الأينَ فلا يقالُ : أينَ ؛ إذ هو مُنقطِعُ الكيفوفيّة والأينونيّة " .
شرح
وقوله : ( وأنّى يوصف الذي يعجز الحواسّ أن تدركه ) تعليل لقوله : " إنّ الخالق
لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه " أي لا يوصف بإدراك الأذهان ؛ لأنّ كلّ ما يحكم
به الأذهان يكون من مدرَكات الحواسّ الظاهرة أو الباطنة ، والحواسُّ عاجزة عن
إدراك ذاته سبحانه وصفاته ؛ فإنّ الأوهام الحاكمة على المدرَكات بالحواسّ عاجزةٌ
عن أن تناله وتصل إليه ، والخطرات التي للأنفس والإدراك لما يخطر بالبال يعجز
عن تحديده ، والأبصار مطلقاً ( 1 ) عن الإحاطة به ، جلّ عمّا وصفه الواصفون بإدراك
أذهانهم ، وتعالى عمّا ينعته الناعتون بمدارك أنفسهم ، نأى وبَعُد عن خلقه ؛ حيث لا
يدركونه ولا يحيطون به علماً في قربه وإحاطته العلميّة بكلّ شئ ، وقرب وأحاط
علمه على أكمل الوجوه بالكلّ في بُعْده عن الكلّ وعدم وصول شئ منه إليه علماً
وإحاطة علميّة .
وقوله : ( كيّف الكيف ) بيان لامتناع اتّصافه بمدركات الأذهان ؛ فإنّ مدركاتها لا
تخرج عن المقولات ولواحقها ، وهو خالقها وجاعلها ، والخالق لا يتّصف
بالمخلوق ، فلا يقال : كيف ، ولا أين ؛ إذ هو منقطع الكيفوفيّة والأينونيّة .
وقوله : ( منقطع الكيفوفيّة والأينونيّة ) يحتمل أن يكون من باب الوصف بحال
المتعلّق وعلى صيغة اسم الفاعل ، أي الكيفوفيّة والأينونيّة منقطعة عنه ، ويحتمل أن
يكون على صيغة اسم المفعول بأن يكون اسمَ مفعول ، أي هو منقطع فيه وعنده
الكيفوفيّةُ والأينونيّة ، أو اسمَ مكان ، أي مرتبته مرتبةٌ انقطع فيها الكيفوفيّة
والأينونيّة .
هامش
1 . في حاشية " ت ، ل ، م " : الإطلاق إشارة إلى شمول الأبصار لأبصار العيون وأبصار الأوهام ( منه دام ظلّه ) .