إذ كانَ لا يُشبِهُه شئٌ ولا يُشْبِهُ هو شيئاً " .
قلتُ : أجَلْ ، جَعَلَني اللهُ فِداك ، لكنَّك قلتَ : الأحدُ الصمدُ ، وقلتَ : لا يُشبِهُه شئ واللهُ
واحدٌ والإنسانُ واحدٌ ، أليس قد تَشابَهَتِ الوحدانيّة ؟ قال : " يا فتحُ ، أحَلْتَ ثبّتك الله ، إنّما
التشبيهُ في المعاني ، فأمّا في الأسماء فهي واحدةٌ ، وهي دالّةٌ على المسمّى ؛ وذلك أنّ
الإنسانَ وإن قيل واحدٌ فإنّه يُخْبَرُ أنّه جُثَّةٌ واحدةٌ وليس باثنين ، والإنسان نفسُه ليس
شرح
والضمير في ( لكنّه ) إمّا للشأن ، أو راجع إليه سبحانه . والمراد أنّه أو ( المنشئ
فرّق بين من جسّمه ) وأوجده حقيقة متقدّرة متكمّمة ( ومن صوّره ) وأوجده
متصوّراً بصورة خاصّة ( و ) من ( أنشأه ) وأوجده ذاتاً متميّزاً بمهيّة وإنّيّة ، وجَعل
لكلّ من كلّ قسم حقيقةً خاصّة وصفة مخصوصة ، وكلُّ مخلوقاته مقولة بعضُها على
بعض ، معرِّف لما يقال عليه ، ولا يحمل شئ منها عليه سبحانه ، ولا يعرف هو به ( إذ
كان لا يشبهه شئ ) ولو عُرف بما عرف به شئ منها ، لوقعت المشابهة .
وقوله : ( أَحَلْتَ ، ثبّتك الله ) أي قلت بالمحال ؛ حيث قلت بالتشابه في الوحدانيّة ( 1 ) ،
أو جوّزته ( إنّما ( 2 ) التشبيه ) بالتشارك ( في المعاني ، أمّا ) الاشتراك ( في الأسماء ) فلا
يوجب التشابه ( وهي ( 3 ) واحدة ) أي كلّ منها واحد وإن أُطلق على المتعدّد وعبِّر عن
كلّ منها به ، ولا تشابه هنا في معنى الوحدانيّة .
وبيان ذلك : أنّ الإنسان وإن أُطلق عليه الواحد ، فقولك : إنّه واحد ( يخبر أنّه جُثّةٌ
واحدة ) أي مجتمع من أجزاء وأعضاء وصور وكيفيّات مختلفة متعدّدة موصوف
بالوحدة بالاجتماع ، لا أنّ ذاته المشتملَ على هذه الأُمور شئ واحد ؛ لظهور أنّ هذه
مختلفة متعدّدة ، وهو مجموع أجزاء مجزّأ بها ، وليست تلك الأجزاء بسواء في
الحقيقة النوعيّة حتّى تكون واحدةً بالمهيّة أو بالاتّصال ، إنّما وحدتها وحدة
بالاجتماع ، وهو سبحانه واحد بالذات لا تكثّر فيه أصلا ، فوحدة الإنسان اجتماع
هامش
1 . في " خ " : " بالوحدانيّة " .
2 . في " خ " : " وإنّما " .
3 . في الكافي المطبوع : " فهي " .