ولا شئ معه في دَيْمومِيتِه ، فقد بانَ لنا بإقرار العامّة مُعجِزَةُ الصفةِ أنّه لا شئَ قبلَ الله ، ولا
شئَ مع الله في بقائه ، وبَطَلَ قولُ مَن زَعَمَ أنّه كانَ قبلَه ، أو كانَ معه شئٌ ، وذلك أنّه لو
كانَ معه شئٌ في بقائه لم يَجُزْ أن يكونَ خالِقاً له ؛ لأنّه لم يَزَلْ معه ، فكيف يكونُ خالِقاً لمن
لم يَزَلْ معه ، ولو كانَ قبلَه شئٌ كانَ الأوّلَ ذلك الشئُ لا هذا ، وكانَ الأوَّلُ أولى بأن يكونَ
خالِقاً للأوَّل . ثمَّ وَصَفَ نفسَه - تبارك وتعالى - بأسماء دَعا الخَلْقَ إذ خَلَقَهم وتَعَبَّدَهم
شرح
لكون كلّ شئ مخلوقاً له ؛ لأنّ كلّ شئ سواه ممكن ، وكلّ ممكن إنّما يوجَد
بايجاب خالق له يخرجه من العدم إلى الوجود ، وينتهي لا محالة إلى الواجب .
أو نقول : لا يصحّ الإيجاب إلاّ من الواجب لذاته ، والمخلوق متأخّر الوجود عن
مبدئه ، ووجود المعلول كما هو متأخّر بالحدوث عن وجود الخالق متأخّر بالبقاء
عنه ؛ لأنّ نفس وجود المعلول صادر عن العلّة ، والحدوثَ والبقاءَ من أحواله اللاحقة
به ، وهذا معنى قوله : ( وذلك أنّه لو كان معه شئ في بقائه لم يجز أن يكون خالقاً له
لأنّه لم يزل معه ( 1 ) ولو كان قبله شئ كان الأوّل ذلك الشئ لا هذا ، وكان الأوّل ) أي
ما فرض أنّه قبله ( أولى بأن يكون خالقاً للأوّل ) أي الواجب الوجود السرمدي .
وأمّا قوله : ( فقد بان لنا بإقرار العامّة معجزة الصفة ) فبيان لخالقيّته لكلّ شئ بما
يناسب أفهام العامّة من أنّ إقرار العامّة - أي كلِّ الناس - بأنّه سبحانه خالق كلّ شئ ،
وأنّه لم يسعهم إنكاره كما قال سبحانه ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ( 2 ) يدلّ
على خالقيّته لكلّ شئ ، وأنّ مقدّمات بيانها ظاهرة لا يضرّها تشكيك المشكّكين ،
وإذا كان خالقاً لكلّ شئ ، فلا شئ قبله ولا شئ معه .
واكتفى بهذا عن تفصيل بيانها ؛ لغَناء العلماء عن التفصيل ، وعدمِ انتفاع العوامّ
والمبتدئين بالتفصيل ، بل ربما ينفتح لهم به أبواب الشُبه والشكوك التي لا يسع
الوقتُ لرفعها وإزالتها .
هامش
1 . في الكافي المطبوع : + " فكيف يكون خالقاً لمن لم يزل معه " .
2 . الزخرف ( 43 ) : 87 .