بواحد ؛ لأنَّ أعضاءَه مختلفةٌ ، وألوانَه مختلفةٌ ، ومَن ألوانُه مختلفةٌ غيرُ واحد ، وهو أجزاءٌ
مُجَزّاةٌ ، ليسَتْ بسواء ؛ دمُهُ غيرُ لَحْمِه ، ولَحْمهُ غيرُ دَمِه ، وعَصَبُه غيرُ عروقِه ، وشَعْرُه غيرُ
بَشَرِه ، وسَوادُه غيرُ بَياضه ، وكذلك سائرُ جميعِ الخَلْق ؛ فالإنسانُ واحدٌ في الاسم ولا واحدٌ
في المعنى ، واللهُ - جلَّ جلاله - هو واحدٌ ، لا واحدَ غيرُه ، لا اختلافَ فيه ولا تفاوتَ ولا
زيادةَ ولا نقصانَ ، فأمّا الإنسانُ المخلوقُ المصنوعُ المؤلَّفُ من أجزاء مختلفة وجواهرَ شَتّى ،
غيرَ أنّه بالاجتماع شئٌ واحدٌ " .
قلت : جعلت فداك ، فَرَّجْتَ عنّي ، فَرَّجَ الله عنك ، فقولك : اللطيف الخبير فَسِّرْهُ لي كما
فَسَّرْتَ الواحدَ ، فإنّي أعلمُ أنّ لُطفَه على خلافِ لُطْفِ خَلْقِه للفَصْلِ ، غيرَ أنّي أُحِبُّ أن تَشْرَحَ
ذلك لي ، فقال : " يا فتح ، إنّما قُلنا : اللطيف ، للخلق اللطيف ، ولعلمه بالشيء اللطيف ،
شرح
أجزاء وأُمور متكثّرة متعدّدة ، ووحدته سبحانه نفي الكثرة والتجزّؤ والتعدّد فيه
مطلقاً .
قوله : ( لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل ) أي لما علمت من وجوب الفصل
ونفي التشابه بينه وبين خلقه إلاّ أنّي أُحبّ أن تشرح ذلك لي وتبيّن معناه ومفهومه .
وقوله : ( إنّما قلنا : اللطيف للخلق اللطيف ) .
لعلّ المراد به أنّ اللطيف هو الشئ الدقيق ، ثمّ ، استعمل فيما هو سبب ومبدأ
للدقيق من القوّة على صنعه والعلم به ، فيقال لصانعه : إنّه دقّ ولطف بصنعه وهو
صانع دقيق في صنعه ، وللعالم به : إنّه دقّ ولطف بدركه وهو عالم دقيق في دركه ،
وهو سبحانه قويٌّ على خلق الدقيق لا بقوّة استعمال آلة وأداة ، وعالمٌ بالدقيق لا
بكيفيّة نفسانيّة ؛ لاستحالة التشابه ، فإنّما قلنا له : " اللطيف " لما لا يعجز عن خلقه ،
ويخلقه لا بالقوّة التي نعقلها فينا ، ولا باستعمال أداة وآلة . ولمّا لا يجهلها ويحيط
علمه بها لا بكيفيّة نعقلها في نفوسنا ، فالمقصود باللطف فيه سبحانه نفي العجز عن
خلق الدقيق ، ونفي الجهل بالدقيق .