وقد قال الله : ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِى عِلْمًا ) فإذا رَأتْه الأبصارُ فقد أحاطَتْ به العلم ووقعتِ
المعرفةُ " . فقال أبو قُرّة : فتُكَذِّبُ بالروايات ؟ فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : " إذا كانتِ الرواياتُ
شرح
ذات الله سبحانه ، ولا يُحمل على آياته الكبرى وقد قال : ( لاَ يُحِيطُونَ بِهِى عِلْمًا )
والمبصَر محاطٌ به علماً .
أو المعنى أنّ بعد هذه الآية ، أي قولِه : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) ما يدلّ على ما
رأى ، ويبيّنه ؛ حيث قال أوّلا قبلها : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ثمّ قال : " ولقد رآه "
بإرجاع الضمير إلى " ما رأى " في قوله ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) والمراد : ما كذب
الفؤاد ما رأى البصرُ ثمّ أخبر بما رأى البصَر ، فقال : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ
الْكُبْرَى ) فبهذه الآية دلَّ على المراد ممّا ( 1 ) رأى في قوله : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) إلى
آخر ما قال .
ولهذا الكلام وجهٌ آخَرُ ، وهو أنّه بعد هذه الآية يعني ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ما
يدلّ على ما رأى بالعين ، أي معنى قوله : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ما رأى الفؤاد لا ما
رأى العين ( 2 ) . ويكون قوله : " يقول : ما كذب فؤاد محمّد ما رأت عيناه " استفهاماً
إنكارياً للحمل على الرؤية بالعين . وقوله : " ولقد رآه " أي ما رأى بالفؤاد ، ثمّ أخبر
بما رأى بالعين ، فقال بعد قوله ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) : ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ
الْكُبْرَى ) .
ويؤيّد هذا الوجه ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده ، عن محمّد بن
الفضيل ، قال : سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) : هل رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ربّه عزّ وجلّ ؟ فقال : " نعم ،
بقلبه رآه ، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) أي لم يره بالبصر ، ولكن
رآه بالفؤاد .
قوله : ( فقال أبو قرّة : فتكذّب بالروايات ؟ ) أي لا تصدّق بها وتجحدها ؟ أي
فترتكب هذا الأمر الشنيع من التكذيب بالروايات ؟ فأجاب ( عليه السلام ) بأنّ ارتكاب
هامش
1 . في " ل " : " بها " .
2 . في " ل " : " بالعين " .