ثمّ بلى يا يهوديّ ، كيف يكونُ له قَبْلٌ ؟ هو قبلَ القبلِ بلا غاية ، ولا مُنتهى غاية ،
شرح
وقوله : ( كان بلا كيف يكون ) أي بدون كيف يوجد ، سواء كان كيفيّةً موجودة ،
أو استعداداً لها . نَبَّهَ به على نفي التغيّر عنه ليترتّب عليه نفي الكون في الزمان .
ولمّا كان مظنّة لأن يُنكر كونُ شيء موجوداً بلا كيف ، وكونُ موجود لا في زمان
واستشعر ذلك الإنكار ، ردّ عليه بقوله : ( بلى يا يهودي ) أي يكون الموجود بلا كيف
ولا في زمان وهو المبدأ الأوّل الذي في غاية التجرّد ونهاية التنزّه ، فلا تكثّر فيه
أصلا ، لا تكثّر تركّب من الأجزاء ، ولا تكثّر صفات ، ولا تكثّر ذات وصفة ، ولا
تكثّر مهيّة وإنّيّة ( ثم بلى يا يهوديّ ) أي ثمّ يكون الموجود بلا كيف ولا في زمان ،
كالمعلول الأوّل الذي لا تكثّر فيه بالتركّب من الأجزاء ولا بالصفات المغايرة
للذات ، بل التكثّر فيه من جهة مغايرة المهيّة والإنّية ليس إلاّ ، فهو لتنزّهه عن التغيّر
واستعداد التغيّر لا يكون داخلا تحت الزمان .
وقوله : ( كيف يكون له قبل ) أي لا يجوز أن يكون للمبدأ الأوّل دخول تحت
الزمان واختصاصٌ بزمان ؛ فإنّ ما يختصّ بزمان يكون له قبلٌ سابقٌ على كونه في
ذلك الزمان ، ولا سابق على مبدأ الكلّ .
أو المراد أنّه لا يجوز كونه سبحانه في الزمان ؛ لأنّه لا يكون الدخول في الزمان
إلاّ مع التغيّر ، وكلّ ما يجوز عليه التغيّر يكون ممكناً معلولا مسبوقاً بموجده ، فلا
يكون مبدأً أوّلَ .
قوله : ( هو قبل القبل ) أي قبل ما هو قبل شيء ، أو قبل ما له القبل والبعد لذاته ،
أعني ( 1 ) الزمان ( بلا غاية ) يعني هو قبل القبل قبليّةً لا يكون معه انتهاء أو امتداد ( ولا
منتهى غاية ) أي ليس شيء يكون انتهاؤه عند ذلك الشيء فيكونَ منتهى غايته ، بل
هو غاية كلّ شيء ، وإليه ينتهي كلّ شيء .
هامش
1 . في " ل " : " أي " .