إذ لم يكن بين النفي والإثبات منزلةٌ " .
قال له السائل : فله إنِّيَّةٌ ومائيّةٌ ؟ قال : " نعم ، لا يثبت الشيء إلاّ بانِّيَّة ومائيّة " .
شرح
محكوماً عليه ، فيكون موجوداً في الذهن مُحاطاً به .
والجواب أنّه لا يلزم تحديده وكون حقيقته حاصلةً في الذهن ، أو محدَّدةً بصفة ؛
فإنّ الحكم لا يستدعي حصول الحقيقة في الذهن ، والوجود ليس من الصفات
المغايرة التي تُحدّ بها الأشياء . وأشار إليه بقوله ( عليه السلام ) : ( لم أحدَّه ولكنّي أثبتّه ( 1 ) إذ لم
يكن بين النفي والإثبات منزلة ) فلمّا انتفى النفي ثبت الثبوت .
ثمّ ( قال له السائل : فله إنّيّة ومائية ) أي وجودٌ منتزع ، وحقيقة ينتزع منها الوجود ،
فأجاب ( وقال : نعم ، و ( 2 ) لا يثبت الشيء ) أي لا يكون موجوداً إلاّ بإنّيّة ومائيّة ، أي مع
وجود وحقيقة ينتزع الوجود منها .
وينبغي أن يُعلم أنّ الوجود يطلق على المنتزع المخلوط بالحقيقة العينيّة عيناً ،
وعلى مصحّح الانتزاع ، والمنتزعُ غير الحقيقة في كلّ موجود ، والمصحّح في الأوّل
تعالى حقيقته العينيّةُ وإن دلّنا عليه غيره ، والمصحّح في غيره مغاير للحقيقة
والمهيّة ، فالمعنى الأوّل مشترك بين الموجودات كلِّها ، والمعنى الثاني في الواجب
عين الحقيقة الواجبيّة .
ولعلّ المراد هنا المعنى الأوّل ؛ لإشعار السؤال بالمغايرة وكذا الجواب بقوله : " لا
يثبت ( 3 ) الشيء إلاّ بإنّيّة ومائيّة " حيث جَعل الكلّ مشتركاً فيه ، والمشترك فيه إنّيّة
مغايرة للمائيّة ( 4 ) .
هامش
1 . في حاشية " ت " : في قوله : " ولكنّي أثبتّه " إشعار إلى أنّ الثبوت محمول مرتبط بنفسه إلى الموضوع ، لا بثبوت
آخر رابط للمحمول إلى الموضوع ردّاً على السائل فيما كان كلامه مشعراً به من ارتباط الوجود والثبوت
بثبوت آخر ( منه مدّ ظلّه العالي ) .
2 . في " خ ، ل " والكافي المطبوع : - " و " .
3 . في " خ ، ل ، م " : " ولا يثبت " .
4 . في حاشية " ت ، م " : وهاهنا نكتة ينبغي التنبيه لها ، وهي أنّ الموجوديّة بمصحّح الانتزاع ، لا بالمنتزع ،
لكنّ الإثبات والحكم لصحّة الانتزاع إنّما يتمّ بملاحظة المنتزع ، فلا يلزم من زيادة المنتزع تحديده به ، كما
قال ( عليه السلام ) : " لم أحدّه ولكنّي أثبتّه " أي بملاحظة المنتزع حكمت بأنّه ليس بمنتف ، فيكون ثابتاً إذ لا منزلة
بينهما . وفي الحديث إشعار بكون الثبوت وجوداً باشتراك معنى الإنّيّة والوجود بين الأشياء ، كما هو
التحقيق ( منه رحمه الله تعالى ) .