قال السائل : فيُعاني الأشياءَ بنفسه ؟ قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " هو أجَلُّ من أن يُعانِيَ الأشياءَ
بمُباشَرَة ومُعالَجَة ؛ لأنَّ ذلك صفةُ المخلوق الذي لا تجيءُ الأشياءُ له إلاّ بالمباشرة
والمعالَجَة ، وهو متعال نافذُ الإرادة والمشيئة ، فَعّالٌ لما يشاء " .
شرح
لا بالمعنى المصطلح عليه للكيفيّة كما يقال في سائر الألفاظ ولا بمعانيها اللغويّة أو
الاصطلاحيّة ؛ لأنّ الألفاظ بحسب وضعها لمعانيها ابتداءً إنّما هي لمدرَكات الأوهام
والأفهام ، ثمّ استعمل عند التنبّه ( 1 ) لما يتعالى عن تلك الإدراكات وعدمِ وجدان لفظ
موضوع له فيه ( 2 ) كاستعمال الألفاظ في مجازاتها .
والمراد أنّ له كيفيّةً لا كتلك الكيفيّات المدرَكة لنا ( لا يستحقّها غيره ) أي لا يمكن
لغيره من المهيّات المغايرة للوجود ، فلا يتّصف بها غيره ، لا بالانفراد ولا بالمشاركة .
وقوله : ( ولا يحاط بها ) أي لا يقع بها الإحاطة ، فلا يخرج بها من قابليّة إلى فعليّة .
قوله : ( قال السائل فيعاني الأشياءَ بنفسه ؟ )
معاناة الشيء : ملابسته ومباشرته ( 3 ) وتحمّل التعب في فعله . والمراد أنّه إذا كان
واحداً أحداً لا تركيب فيه ولا تأليف متفرّداً بالربوبيّة ، إذ لا يستحقّها مصنوع ،
فيباشر خلقَ الأشياء وصنعَها بنفسه ويعالجها ( 4 ) ، ويتحمّل مشقّة فعلها بذاته .
وأجاب ( عليه السلام ) عنه ب [ أنّ ] الله سبحانه ( أجلّ من أن يعاني الأشياء بمباشرة ومعالجة ؛
لأنّ ذلك ) أي المعاناة بمباشرة ومعالجة ( صفة المخلوق الذي لا يجيء الأشياء له )
أي لا يحصل له ولا يتيسّر له فعلها ؛ لعجزه وقصوره عن أن يترتّب وجود الأشياء
على إرادته ومشيّته ، فلا يتأتّى له فعلها ( إلاّ بالمباشرة والمعالجة ، وهو سبحانه
متعال ) عن ذلك ( نافذ الإرادة والمشيّة ، فعّال لما يريد ) فإذا أراد وجود شيء
بأسبابه يوجد مترتّباً على وجود أسبابه ، وإذا أراده لا بأسبابه العاديّة يوجد
بلا أسبابه على خلاف العادة .
هامش
1 . في " خ ، ل " : " التنبيه " .
2 . قوله : " فيه " متعلّق بقوله : " استعمل " .
3 . في " ل " : " معاشرته " .
4 . في حاشية " ل " : " يصالحها " .