فإنّما يأخُذُ سُحْتاً وإن كانَ حقّاً ثابتاً له ؛ لأنّه أخَذَه بحكم الطاغوت ، وقد أمَرَ اللهُ أن يَكْفُروا
به ، قال الله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِى ) .
قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : " ينظران إلى من كانَ منكم ممّن قد روى حديثَنا ، ونَظَرَ
شرح
وقوله : ( وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً ) إن حمل على أنّه يأخذ أخذاً سحتاً ، أي
حراماً ، فعلى عمومه ، وإن حمل على أنّه يأخذ مالا سحتاً ، أي حراماً عليه أن
يتصرّف فيه ، فمخصَّص بما لا يكون المدّعى به عيناً معلومَ الحقّيّة للمدّعي ؛ فإنّه له
التصرّف في المأخوذ حينئذ ، بخلاف ما إذا كان ثابتَ الحقّيّة عنده بحكم الحاكم ، أو
مظنونَ الحقّيّة ، أو مشكوكَها ، أو كان المدّعى به دَيناً ؛ فالاستحقاق في العين
والتعيّن ( 1 ) في الدين بحكم الطاغوت لا يوجب جواز التصرّف .
وقوله : ( فإنّما تحاكم إلى الطاغوت ) أي الشيطان ، أو ما يزيّن لهم أن يعبدوه من
الأصنام .
ولمّا كان المتحاكم إلى الجائر متحاكماً إلى من استند حكم الجائر إليه من الشيطان
أو نفسِه وهواه ، والمتحاكم إلى هوى نفسه كان متّخذاً هواه إلهاً ومعبوداً له ، فكان
المتحاكم إلى الجائر متحاكماً إلى الطاغوت .
قوله : ( من كان منكم ممّن قد روى حديثنا . . . ) .
اعتُبر في المتحاكم إليه - بعد كونه على طريقة النجاة وسبيل الحقّ والرشاد - كونُه
آخذاً من روايات أهل البيت ، ناظراً في حلالها وحرامها ، عارفاً بالأحكام التي
تستنبط منها ، والموصوف بهذه الصفات هو المعبّر عنه بالفقيه عند السلف ،
وبالمجتهد في هذه الأعصار عند الإماميّة ، وإن كان المجتهد في العصر الأوّل بينهم
مستعملا في العامل بالقياس والرأي ، ولذلك منعوا عن الاجتهاد ، فالمجتهد عبارة
عن العارف بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة معرفةً مستندة إلى النظر في الحلال والحرام
على ما في الأدلّة من الكتاب والروايات ( 2 ) والأحاديث بعد الجمع والترجيح .
هامش
1 . في " خ " : " التعيين " .
2 . في " ل " : " على ما في الكتاب والأدلّة من الروايات " .