في حلالنا وحرامنا وعَرَفَ أحكامَنا ، فَلْيَرْضَوْا به حَكَماً ، فإنّي قد جعلتُه عليكم حاكماً ،
شرح
وفي قوله : ( وعرف أحكامنا ) دلالة إلى بلوغه مرتبةَ معرفةِ جميع الأحكام ، أو
القدر المعتدّ به بحسب الوسع معرفةً بالفعل ، أو بالقوّة القريبة منه بحيث يصحّ
إطلاق المعرفة عليه . وتلك المعرفة تحصل بعد الفطنة القويمة والعلمِ بأساليب
الكلام بممارسته ملاحظة الأحاديث ، ونهج بيانهم للأحكام ، وملازمة العلماء ذوي
البصائر ( 1 ) والاستمداد منهم .
وقد سعى السلف في جمع ما يستمدّ به في معرفة أساليب الكلام ومعانيها
وترجيح الأخبار وجمعها ، شكر الله مساعيَهم وجزاهم أحسنَ الجزاء ، ولكن لا
يغني ما أتوا به من تلك الممارسة والملازمة ، فلا يعتمد قبلهما على تحدّسه بالمراد ،
وإذا حصل له تلك المعرفة اطّلع من جانب الله بإلهام وإعلام على جواز عمله بما
يفهمه من الروايات ؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
وأمّا القاصرون من المزاولين لأقوال الفقهاء ، المكابرين مع العلماء ، الممارين
للسفهاء ، فيضلّون عن السبيل بادّعاء ما ليس لهم والدخول فيما حُظر عليهم ، ولا
ينتفعون بمساعيهم ، فما هم إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء ، وليس ببالغ فاه ، ويضلّون
الناس ، ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً ، أعاذنا من فتنتهم والتصنّع بصنعتهم ، وهدانا
الله إلى اتّباع المهتدين من عباده الهادين إلى سبيل الرشاد .
قوله : ( فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ) أي قد صيّرته حاكماً عليكم ، أو قد وصفته
بكونه حاكماً عليكم ، وحكمت بذلك ، وسمّيته بالحاكم .
يقال : جعل فلان زيداً أعلمَ الناس : إذا وصفه بذلك وحكم به . ومنه قوله تعالى :
( وَجَعَلُواْ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ) ( 2 ) أي وصفوهم بذلك ، وحكموا بكونهم
إناثاً .
هامش
1 . في " خ " : " الأبصار " .
2 . الزخرف ( 43 ) : 19 .