شرح
وجوه الناس إليه ، فليتبوّأ ( 1 ) مقعدَه من النار ) .
المباهاة : مفاعلة من البهاء ، ومعناها المُغالَبة في الحُسن ، أي فيما يعدّ من
المحاسن والمَفاخر .
والمُماراة : المجادَلَة والمنازعة . والمراد أنّ من طلب العلم لتحصيل الرئاسة .
ومن وجوهها التي تناسب طلبَ العلم المفاخرةَ وادّعاءَ الغلبة به ، وذلك مع
العلماء لا يصل إلى النزاع والجدال ؛ حيث لا يمارون ؛ لعلمهم بقبحه فيسلم له
المفاخرة وادّعاء الغلبة ، ومع الجهّال المتلبّسين بلباسهم يورث النزاع والجدال ، وإذا
كانت الرئاسة مطلوبةً له يماري ويجادل ليظهر غلبته عليهم .
ومنها صَرْف وجوه الناس إليه من العالم الربّاني ، فيحصل له الرئاسة بمراجعة
الناس إليه فيما ينبغي المراجعة فيه إلى من هو أهل للرئاسة ، ولا ينتقل الذهن إلى
وجه آخَرَ من الرئاسة يناسب طلبَ العلم ولا يؤول إلى ما ذكر .
وقوله : " فليتبوّأ مقعده من النار " أي فلينزل مكانه ومقرّه من النار ، أو فليتّخذ
مقرّه ومكانه من النار .
وقوله : ( إنّ الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها ) دليل لما قبله ، وأهل الرئاسة مَن أوجب
الله على عباده المراجعةَ إليه ، والأخذَ عنه ، والتسليمَ لأمره ، وتحمّلَها بالنسبة إليهم من
التكاليف الشاقّة ، حيث لا يريدونها ؛ لما عرفوه بعقولهم الكاملة ومعارفهم الربّانيّة
من الفضل في تركها وعدم إرادتها ، فهم يفعلون فعل الرؤساء في زيّ الفقراء ،
هامش
1 . في حاشية " م " : قوله ( عليه السلام ) : " فليتبوّأ . . . " قال ابن أثير فيه : " تكرّرت هذه اللفظة في الحديث ، والمعنى : ليَنْزِلْ
مَنزِلَه من النار . يقال : بَوَّأه الله مَنْزِلا ، أي أسكنَه إيّاه ، وتبوّأ منزلا ، أي اتّخذه " انتهى [ النهاية ، ج 1 ، ص 159 ]
وهذا نحو ما تقدّم يقتضي زيادة عذاب هذا العالم عن غيره ممّن ليس بعالم . وحاصل معناه أنّه قد اتّخذ النار
منزلا ومستوى ينزل به ويستقرّ ، كمن كان على ثقة ويقين واطمئنان بمنزل اتّخذه وهيّأه ليكون به يستقرّ عن
الحركة في السعي والمشقّة ، وهذا يستقرّ عن الحركة والسعي في غير الشقاء والعذاب .