وقال ( عليه السلام ) : " أوحى اللهُ إلى داودَ ( عليه السلام ) : لا تجعَلْ بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا ، فيَصُدَّك
عن طريق محبّتي ، فإنَّ أُولئك قُطّاعُ طريقِ عبادي المريدين ، إنَّ أدنى ما أنا صانِعٌ بهم
شرح
أحبّ " ولم يقل : " يحوطه " ومن المعلوم أنّ حفظ الدنيا وتعهّدها لا يجامع إظهار
الحقّ والعمل به غالباً ، فمن يحوطها يميل إلى الباطل كثيراً ، فكلّ قول وفعل منه
مظنّةُ كونه من الكثير الغالب ، فينبغي أن يتّهمه العاقل ويُسئ الظنّ به ، ولا يأتمنه
على دينه ، ولا يعتمد عليه في أخذ العلوم الدينية .
قوله : ( لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا ) أي لا تجعل المفتون بالدنيا أي
المُعْجَبَ بها بين الله وبينك وسيلةً إلى حصول معرفة الله ومعرفة دينه وشريعته التي
شرعها لعباده ( فيصدّك ) ويمنعك ( عن طريق محبّتي ) بالترغيب إلى الدنيا وتهييج
الشهوة إلى طلبها وتشييد محبّتها في القلب . ( 1 )
وقوله : ( فإنّ أُولئك قطّاع ( 2 ) طريق عبادي المريدين ) لأنّهم يُميلون الناس من
الرغبة إلى الله وإلى الآخرة إلى الرغبة في الدنيا وأسبابها ، أو لأنّهم بإراءتهم للناس
أنّهم علماءُ أمالوا الناس من طلب العالِم الربّاني إلى الرجوع إليهم والأخذ عنهم ،
فأضلّوهم عن السبيل إليه .
وقوله : ( أدنى ما أنا صانع بهم ) أي أقلّ ما أجزيهم بكونهم مفتونين بالدنيا ، وذلك
لمَن فيه أقلُّ مراتب الافتتان ، وهو المتحرّز عن تناولها ، لا من حلّها مع حبّه
هامش
1 . في حاشية " م " : " أُولئك " إشارة إلى الجماعة ؛ لأنّ المراد بقوله " عالماً " الاستغراق ؛ لأنّه نكرة في سياق النهي ،
وهو كالنفي في معنى الجمع .
2 . في حاشية " م " : قوله ( عليه السلام ) : " قطّاع . . . " يحتمل أن يكون قطع الطريق بمعنى أنّ الناس إذا رأوهم على علمهم
حريصين على الدنيا ، متهالكين ، كان ذلك سبباً لحرص الناس ؛ من حيث توهّمهم أنّ علمه اقتضى حبّ الدنيا ،
ودَلَّه عليه . فمن أراد الوصول يتوهّم أنّ مثل هذا الطريق موصل . أو يقولون : إذا كان هذا كذلك مع علمه ، فنحن
أولى بالحرص ؛ فيكون هذا باعثاً على ترك العلم والعمل . وقريب من احتمال أنّه إذا أحبّ الدنيا كان سلوكه مع
الناس بمقتضى طباعهم وميلهم ، والناس عبيد الدنيا وأُسارى الشهوات ، وأُمور الآخرة شاقّة ، بحرصه يبعثه على
المساهلة وتسويغ ما لا يجوز ، فمن يريد الوصول يجعل هذا العالم بينه وبين ما يريد أوّلا ؛ فهو قاطع طريقه .