3 . عدّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد البرقيّ ، عن إسماعيل بن مِهرانَ ، عن أبي
سعيد القمّاط ، عن الحلبيّ ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ألا أُخبِرُكم بالفقيه
حقّ الفقيه ؟ من لم يُقَنِّطِ الناسَ من رحمة الله ، ولم يُؤمِنْهم من عذاب الله ، ولم يُرخّصْ لهم
شرح
المعنى الحقيقُ بذلك الاسم له خشية من ربّه ليست لغيره ، وهذه الخشية تؤدّيه إلى
الإطاعة والانقياد قولا وفعلا ؛ فإنّ الجرأة على العصيان لا تجامع الخشية الحقيقيّة .
قوله : ( ألا أُخبركم ( 1 ) بالفقيه حقّ الفقيه ) أي حقيقة الفقيه . و " حقّ الفقيه " بدل
عن " الفقيه " وما بعده خبرُ مبتدأ محذوف ، أي هو ( مَن لم يقنّط الناس ) .
ويحتمل أن يكون " حقّ الفقيه " مبتدأً وما بعده خبره ، والمراد أنّ الفقيه حقيقة
ليس إلاّ من هو عالم بالمراد بما ورد في الوعيد والوعد والعفو بملاحظة بعضها مع
الآخر حتّى يتبيّن له المراد ، ومن يقتصر على ملاحظة البعض دون الباقي ويعتمد
على ما يفهمه بتلك الملاحظة فيؤدّيه إلى أن يقنّط الناس من رحمة الله ، أو يؤمنهم
من عذاب الله ، أو يرخّص لهم في معاصي الله ، فبمجرّد علمه بالمسائل الشرعيّة
الفروعية لا يكون فقيهاً ، وكذا حقيقة الفقيه لا يكون إلاّ لمن أخذ بكتاب الله
وتفكّر فيه ولم يرغب عنه ( 2 ) إلى غيره ؛ فإنّ التارك لكتاب الله لا يكون فقيهاً وإن
كان حافظاً للأحاديث ، ضابطاً لها ؛ فإنّ معرفة الأحاديث وفهمها لا تتمّ إلاّ بمعرفة
كتاب الله والتفكّر فيه . وأمّا من ترك التفكّر في كتاب الله ، ثمّ قاس على الأحاديث ،
فعدوله عن الحقّ أكثر .
هامش
1 . في حاشية " م " : " ألا أُخبركم " بهمزة الاستفهام و " لا " النافية . ففي الكلام حذف بعد تمام الجملة الاستفهامية ،
أي " قالوا : بلى " . ويحتمل أن يكون حرف تنبيه ، فلا حذف .
2 . في حاشية " م " : يحتمل أن يكون فائدة قوله ( عليه السلام ) " رغبة عنه إلى غيره " احترازاً عمّا لو ترك القرآن ، لا رغبة عنه
إلى غيره ، بل لاحتياجه إلى الغير ورغبته فيه لذلك . والرغبة في الغير أعمّ من الرغبة عن القرآن . ولعلّ هذا أوجه
وأنسب ، وهو ينطبق على ترك التلاوة في الجملة بشغل غيرها يجب عليه الاشتغال به ، أو يجوز الرغبة فيه ،
وعلى ترك الأحكام التي لا يمكن تحصيلها . وقد ينطبق على ترك التعلّم . وفيه ما مرّ ، والله تعالى أعلم .