وقال بعض المعاصرين في ردّ هذه الاتّهامات : أمّا لجهة السبّ فإنّي أميل إلى تبرئة الرجل منه . لقد حقّق الشهيد خلال سنين عديدة صلات طيّبة بالمراكز العلمية السنّية في المنطقة ، وقرأ على كثير من شيوخها ، وظلّ حتّى أواخر عمره يقيم مددا غير قصيرة في دمشق ، حيث كسب لنفسه مركزا علميا ممتازا وتقديرا . ونسجّل هنا شهادة الجزري التي يقول فيها : « صحبني مدّة مديدة فلم أسمع منه ما يخالف السنّة » ( 1 ) . وهذا يدلَّنا على دقّة الرجل ، حتّى لقد كان يحرص وهو يخطَّ اللمعة الدمشقية أن لا يطَّلع عليه أحد . رجل كهذا في دقّته ومرونته وسعة أفقه لا يمكن أن يلجأ إلى النيل والسبّ ، وعلى كلّ حال فلما ذا يفعل ؟ ! في تقديرنا إنّ هذا السبب ليس أكثر من ترديد لتهمة تاريخية ضدّ الشيعة كانت دائما أرخص وأيسر وسيلة للاستشارة عليهم ( 2 ) نعم ، كان الشهيد يراعي التقيّة ، ودعا في آخر إجازته لابن الخازن - التي كتبها في دمشق قبل شهادته بسنتين تقريبا أي ثاني عشر شهر رمضان عام 784 - للصحابة ، حيث قال : والحمد للَّه أبد الآبدين ، وصلَّى الله على أفضل الخلائق أجمعين . وعترته الطيّبين الطاهرين وصحبة الأخيار المنتجبين ( 3 ) وقال صاحب الرياض : نقل عنه رحمه الله أنّه كان في الأيّام يشتغل بتدريس كتب المخالفين ويقرئهم ولم تحصل له فرصة لتدريس كتب الشيعة لشدّة التقيّة إلَّا في الليل بقدر ما بين المغرب والعشاء ، فكان يدرّس في ذلك الوقت الشيعة حين الخلوة في بيت معيّن عمله تحت الأرض ( 4 )
غاية المراد في شرح نكت الارشاد — صفحة مقدّمة التحقيق 250
مساهمون: الشهيد الأول
صمقدّمة التحقيق ٢٥٠
هامش
( 1 ) « غاية النهاية » ج 2 ، ص 265 .
( 2 ) « الهجرة العاملية إلى إيران » ص 83 .
( 3 ) « بحار الأنوار » ج 107 ، ص 192 .
( 4 ) « تعليقة أمل الآمل » ص 80 .