منهم ( عليهم السلام ) بطريق القطع واليقين ، ونعلم علماً عاديّاً أنّهم كانوا عالمين بأنّه مع التمكّن
من القطع واليقين في أحكام الله تعالى لا يجوز الاعتماد على ما ليس كذلك وأنّهم
لم يقصّروا في ذلك ، واستمرّ هذا المعنى إلى زمن الأئمّة الثلاثة - قدّس الله أرواحهم
- فعلم أنّ تلك الأحاديث كلّها صحيحة باصطلاح القدماء .
الوجه الثالث
إنّ مقتضى الحكمة الربّانية وشفقة سيّد المرسلين والأئمّة ( عليهم السلام ) بالشيعة أن لا
يضيع من كان في أصلاب الرجال منهم ويمهّد لهم أُصولاً معتمدة يعملون بما فيها
في زمن الغيبة الكبرى * .
شرح
* إنّ المصنّف كأنّه غفل عن أنّ الدنيا دار الابتلاء وأنّ ابتلاء المؤمن على قدر إيمانه ، وهو
إلى المؤمنين أقرب من غيرهم ، وقد اقتضت حكمة الله خفاء كثير من الحقوق ، بحيث لم تظهر كلّ
الظهور الّذي لا يسع معه الاختلاف ، ولا اختفت كلّ الخفاء الّذي لا يمكن معه العلم ليتحقّق
مصداق قوله تعالى : ( والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ) فعلم أنّ الحقّ في المخفيّ يظهر بعد
المجاهدة في طلبه . وغيبة الإمام ( عليه السلام ) من أعظم الابتلاء . ولو كانت الحكمة الإلهيّة تقتضي أن
ينساق إلى الشيعة في كلّ وقت ما يقتضي ظهور الحقّ بالقطع والجزم ولا يجوز خفاء ذلك عنهم
لكان الّذي في زمن الأئمّة ( عليهم السلام ) من أصحابهم الأجلاّء في العلم والمعرفة والدين أحقّ أن ينساق
إليهم ما يوجب بقاءهم على الهدى ، بعد أن كانوا قد حصّلوه ثمّ عدلوا عنه من مثل الواقفة
والفطحيّة والزيديّة وأمثالهم ، فما رأينا حالهم إلاّ كحال غيرهم في الضلالة والهداية . وليس عند
الله سبحانه فرق في إرادة الهداية من كلّ مخلوق ، فالّذي كانت تقتضيه الحكمة للشيعة تقتضيه
لغيرهم من مخلوقات الله ، لأنّ الكلّ عباده وتحت رحمته ؛ وقد علمنا كثرة الاختلاف الواقع في
حال الرواة من المدح والطعن بما لا مزيد عليه من ذلك الزمان ، وكذلك اختلاف مذاهبهم
وتصريح أصحاب كتب الرجال بمدح بعضهم وضعف رواياته وتصريحهم أيضاً بكذب بعضهم
ووضعه للأحاديث ، ونقلوا عن ابن عقدة : أنّه كان يحفظ مائة وعشرين ألف حديث بأسانيدها
ويذاكر بثلاثمائة ، وروى جميع كتب أصحابنا ( 1 ) ومع ذلك كان زيديّاً جاروديّاً ، ومثل
هامش
( 1 ) رجال الطوسي : 409 ، الرقم 5949 .