تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد المدنية والشواهد المكية — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
إخفاء بعضه ، ومن أنّه لولا ذلك لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وللزم الاغراء بالجهل ، وذلك لما علم من المذهب ضرورةً : من أنّه ( صلى الله عليه وآله ) أودع كلّ ما جاء به عند العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) وأمر الناس بسؤالهم والردّ - أي الرجوع - إليهم ، وأيّ بيان أقوى من ذلك ؟ *
شرح
* إنّ الله - سبحانه وتعالى - أنزل القرآن هدى للناس وتبياناً لكلّ شيء ، فما اختصّ به أُمّة دون أُمّة ولا حجب فيه علم التكليف عن الناس بعد قوله تعالى : ( يا أيّها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربّك ) غاية الأمر أنّ فيه محكماً ومتشابهاً ومجملا ومفصّلا وناسخاً ومنسوخاً ، ولا يجوز أن يخاطب الله بما لا يفهم من التكاليف العامّة المحتاج إلى علمها وبيانها ، فإذا ورد في القرآن لفظ ظاهر المعنى لا يختلف العرب في فهمه وجب حمله على ذلك المعنى وأنّه هو المراد منه ، وإلاّ لزم الاغراء بالجهل وكان مخالفاً لقوله : ( قرآناً عربيّاً غير ذي عوج ) وقوله : ( وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ) وقوله : ( أفلا يتدبّرون القرآن ) ونحو ذلك ، فلو لم يفهمه أهل اللسان انتفت فائدة التخصيص . وقد علمنا أنّ في القرآن أسراراً غير ظاهرة لكلّ أحد ، وليس ذلك مخلاًّ بالتكليف ، وأُمرنا عند اشتباهها بسؤال أهل الذكر عنها . ولابدّ في الحكمة من وجود القيّم بذلك ، ففي حياة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) هو أصلها ويجب عليه إظهار كلّ ما تتوقّف عليه الشريعة . وبعده ( عليه السلام ) ليس كلّ لفظ وكلّ حكم في القرآن لا يعرف معناه ولا حكمه إلاّ بالنصّ عن الأئمّة ( عليهم السلام ) ولو كان القرآن لا يمكن فهمه لكلّ أحد لم يأمر الله سبحانه بالاستماع له أمراً عامّاً ، لعدم الفائدة . ولا يمكن لكلّ سامع الاستفهام عند السمع ولَمّا عُرِف إعجازه ، لأنّ غير المفهوم لا يظهر وجه الاعجاز فيه . وما ورد في القرآن عن الأئمّة ( عليهم السلام ) من المعاني الغير الظاهرة عند العامّة فأُمور مخصوصة محصورة قابلة للاشتباه واختلاف المعنى ، فلا يلزم من ذلك توقّف غيرها على النصّ منهم ( عليهم السلام ) . ولا ريب أنّ الصحابة ما كانوا يتوقّفون في فهم كلّ معنى في جميع معاني ألفاظ القرآن على سؤال الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولا نقل ذلك أحدٌ ولا حصل اختلاف بين المفسّرين في المعاني الظاهرة . ولمّا أرسل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بسورة " براءة " ليقرأها على الناس ما فهم من ذلك إلاّ أنّ كلّ من سمعها يفهم معناها من غير احتياج في كلّ ما قرأه عليهم إلى تفسيره وعدم فهمهم لولا ذلك . ولو توقّف فهمهم على تفسيره ربما لم يصدّقوه ، فتنتفي الفائدة في تلاوتها عليهم من غير فهم المعنى ، وذلك ظاهر ؛ وكذلك الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لمّا كان يتلو ما أُنزل عليه على الناس حال نزوله . نهاية