تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد المدنية والشواهد المكية — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
وقد بلغني أنّ جمعاً من فحول علمائهم الورعين يهبون الثياب النجسة للقصّارين ثمّ يسترجعونها ، ومن المعلوم عند الفقيه الحاذق انّ هذه الحيلة غير نافعة . وقد نبّهناك على طرف من أغلاط المتأخّرين في فهم الأحاديث الواردة
شرح
تبعاً للأحاديث وينكر على من يوهم كلامه خلاف ذلك ، ولا يشعر بأنّ هذه الأحاديث أدلّ دليل على الاكتفاء بالظنّ في الأحكام الشرعيّة فيما يتعسّر فيه العلم غالباً ، فكيف لا يدلّ على ما يتعذّر ؟ وكذلك قوله : " إنّه لم يظهر منهم ( عليهم السلام ) إلاّ ما يدلّ على التوسعة " فهلاّ رخّصوا لشيعتهم العمل بالاجتهاد والظنّ الحاصل من أُصولهم وقواعدهم ؟ ولم يلزموهم بالحيرة والتوقّف وتعطيل الأحكام المحتاج إليها . وقد تحقّق من اتّفاق الأصحاب والحديث أنّ متيقّن الطهارة الشاكّ في الحدث يدخل في الصلاة بتلك الطهارة ، وهو صريح على التعويل على الظنّ فيه ، لأنّه بعد حصول الشكّ فقد ارتفع ذلك اليقين الأوّل من كونه متطهّراً ، وما بقي إلاّ الظنّ . والأخ الشيخ حسن - قدّس الله روحه - في المعالم في بحث عدم جواز العمل بالعامّ قبل البحث عن المخصّص وأنّه يكفي في البحث حصول الظنّ بانتفائه قال : وإنّما اكتفينا بالظنّ ولم نشترط القطع ، لأنّه ممّا لا سبيل إليه غالباً ، فلو اشترط لأدّى إلى بطلان العمل بأكثر العمومات ( 1 ) . وهذا المحذور بعينه يتأتّى في الأخبار لو اشترطنا العلم بصحّتها وثبوتها . وأمّا ما حكاه عن أرباب التدقيق وأبطله فقولهم فيه حقّ ، لأنّه مدلول الحديث ( 2 ) . وكلّ حكم يمكن الوصول فيه إلى العلم لا معدل عنه إلى غيره إلاّ إذا تعسّر أو تعذّر ، وما ذكره من المسألة لا يتعذّر فيها تحصيل العلم بالطهارة أو ما يقوم مقام العلم من شهادة العدلين بزوال عين النجاسة على وجه يحصل به الطهارة . والاكتفاء في ذلك بالظنّ مع فرض إمكان العلم بأن يعيد طهارة الثوب على وجه تتحقّق به الطهارة إذا أمكن - كما في أخبار القصّار وما شابهه ( 3 ) - بدليل من خارج لا ينافي ذلك ، وهو دليل على سهولة الحال في التكليف ، وعلى جواز التعويل على الظنّ وإن أمكن العلم وإن لم يتعسّر . وكلّ ذلك مناف لما يدّعيه كما أشرنا إليه . ولم تكن قريحته القويّة وفكرته المستقيمة الّتي يدّعيها تُنبّهه وتُرشده إلى الصواب وتريحه من التعب والجهد في مثل هذه الأوهام والخيالات .
هامش
( 1 ) معالم الدين : 120 . ( 2 ) وهو قوله ( عليه السلام ) : " لا ينقض اليقين إلاّ يقين مثله " أثبتناه من هامش الأصل . ( 3 ) التهذيب 6 : 385 ، ح 263 .