وقد بلغني أنّ جمعاً من فحول علمائهم الورعين يهبون الثياب النجسة
للقصّارين ثمّ يسترجعونها ، ومن المعلوم عند الفقيه الحاذق انّ هذه الحيلة غير
نافعة . وقد نبّهناك على طرف من أغلاط المتأخّرين في فهم الأحاديث الواردة
شرح
تبعاً للأحاديث وينكر على من يوهم كلامه خلاف ذلك ، ولا يشعر بأنّ هذه الأحاديث أدلّ دليل
على الاكتفاء بالظنّ في الأحكام الشرعيّة فيما يتعسّر فيه العلم غالباً ، فكيف لا يدلّ على ما يتعذّر ؟
وكذلك قوله : " إنّه لم يظهر منهم ( عليهم السلام ) إلاّ ما يدلّ على التوسعة " فهلاّ رخّصوا لشيعتهم العمل
بالاجتهاد والظنّ الحاصل من أُصولهم وقواعدهم ؟ ولم يلزموهم بالحيرة والتوقّف وتعطيل
الأحكام المحتاج إليها . وقد تحقّق من اتّفاق الأصحاب والحديث أنّ متيقّن الطهارة الشاكّ في
الحدث يدخل في الصلاة بتلك الطهارة ، وهو صريح على التعويل على الظنّ فيه ، لأنّه بعد حصول
الشكّ فقد ارتفع ذلك اليقين الأوّل من كونه متطهّراً ، وما بقي إلاّ الظنّ .
والأخ الشيخ حسن - قدّس الله روحه - في المعالم في بحث عدم جواز العمل بالعامّ قبل
البحث عن المخصّص وأنّه يكفي في البحث حصول الظنّ بانتفائه قال : وإنّما اكتفينا بالظنّ ولم
نشترط القطع ، لأنّه ممّا لا سبيل إليه غالباً ، فلو اشترط لأدّى إلى بطلان العمل بأكثر العمومات ( 1 ) .
وهذا المحذور بعينه يتأتّى في الأخبار لو اشترطنا العلم بصحّتها وثبوتها .
وأمّا ما حكاه عن أرباب التدقيق وأبطله فقولهم فيه حقّ ، لأنّه مدلول الحديث ( 2 ) . وكلّ
حكم يمكن الوصول فيه إلى العلم لا معدل عنه إلى غيره إلاّ إذا تعسّر أو تعذّر ، وما ذكره من
المسألة لا يتعذّر فيها تحصيل العلم بالطهارة أو ما يقوم مقام العلم من شهادة العدلين بزوال عين
النجاسة على وجه يحصل به الطهارة . والاكتفاء في ذلك بالظنّ مع فرض إمكان العلم بأن يعيد
طهارة الثوب على وجه تتحقّق به الطهارة إذا أمكن - كما في أخبار القصّار وما شابهه ( 3 ) - بدليل
من خارج لا ينافي ذلك ، وهو دليل على سهولة الحال في التكليف ، وعلى جواز التعويل على
الظنّ وإن أمكن العلم وإن لم يتعسّر . وكلّ ذلك مناف لما يدّعيه كما أشرنا إليه . ولم تكن قريحته
القويّة وفكرته المستقيمة الّتي يدّعيها تُنبّهه وتُرشده إلى الصواب وتريحه من التعب والجهد في
مثل هذه الأوهام والخيالات .
هامش
( 1 ) معالم الدين : 120 .
( 2 ) وهو قوله ( عليه السلام ) : " لا ينقض اليقين إلاّ يقين مثله " أثبتناه من هامش الأصل .
( 3 ) التهذيب 6 : 385 ، ح 263 .